زياد الرحباني والسينما: ابتعادٌ عن التمثيل ومشاركة في الموسيقى

30 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 09:48 (توقيت القدس)
زياد الرحباني: موسيقاه التصويرية استكمالٌ لإبداعه (مروان طحطح/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زياد الرحباني، المعروف بموهبته في الموسيقى والمسرح، لم يكن ممثلاً بارزاً في السينما، حيث عكست أدواره المسرحية شخصيته الحقيقية، مما جعله يبتعد عن التمثيل السينمائي.
- شارك في أفلام مثل "نهلة" و"طيّارة من ورق"، وركز على الموسيقى التصويرية، مضيفاً بعداً فنياً لأعماله.
- موسيقاه تعكس حسه الفني وتناقضها مع قسوة الواقع البيروتي، معبراً عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في لبنان، مما جعله يصر على البقاء في بيروت.

 

لم يكن زياد الرحباني (1956 ـ 2025) ممثلاً تنجذب الكاميرا، السينمائية والتلفزيونية، إليه، بينما تأديته الأدوار الأولى في مسرحياته السبع (1973 ـ 1994) منبثقٌة من أنّ الشخصيات تلك تُشبهه تماماً صوتاً ونبرة وحركة، وسخرية أيضاً، كما يفعل في حياته اليومية. قول هذا لا ينتقص من أي قيمة فنية له في الموسيقى والأغنية وكتابة نصوصها، وفي مسرحياته، خاصة تلك المُنجزة في أعوام الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990). فالقول واقعٌ معروفٌ، وسبب قلّة تمثيله السينمائي غير واضح نقدياً تماماً، فلعلّ عزوفه عنه منبثقٌ من عدم انجذابه هو إلى الشاشة الكبيرة.

أمّا "الاستماع" إلى تلك المسرحيات، عبر أشرطة "كاسيت" تُباع في أمكنةٍ، أو يتمّ الحصول عليها للتمتّع بها في المناطق الشرقية في تلك الفترة، فيؤكّد أنّ هناك إمكانية كبيرة للتفاعل معه باعتباره فناناً له موقف واضح في السياسة والاجتماع والثقافة والمسرح والفن، وشخصاً يُجيد نقل لغة الشارع، أي لغة الناس العاديين، إلى نصوص بالعاميّة تُصبح لازماتٍ أساسية في كلّ حوار بين لبنانيين ولبنانيات، وربما غيرهم أيضاً. والتفاعل المذكور غير مُحتاج إلى براعة تمثيل غير مُشاهَد غالباً، لذا، يغيب أيّ اكتراثٍ بالتمثيل كفنّ، فزياد الرحباني وحده كافٍ لإثارة متعةٍ وضحكٍ غير حاجِبَين تنبّهاً إلى شقاء اليومي، وبؤس العيش في بلدٍ ممزّق، زمن الحرب أولاً، وفترة السلم الأهلي الهشّ والناقص.

رغم ذلك، يتوق كثيرون وكثيرات إليه، في أي شكلٍ من أشكال الفنون التي يُتقنها بحِرفية وبراعة وجمال وسحرٍ يصنع (السحر) شغفاً به وبها. يُدرك هؤلاء أنّ الأهم في الرحباني كامنٌ في شخصه ونبرة صوته والكلام الذي يلتقطه من الناس أنفسهم، مُطوّراً لغة الشارع إلى نصٍّ حقيقي وصادق وشفّاف، وأقدر على قراءة راهنٍ، وانتقاد حالة، وتنبيهٍ إلى مسألة. لذا، يغيب التمثيل بصفته فنّاً، لأنّ الرحباني نفسه غير مكترثٍ بفنّ التمثيل، فشخصياته ـ التي يكتبها ثم يؤدّيها بعفوية تمنحها مصداقية أكبر، وواقعيّة أعمق، ونظرة أقدر على رؤية بعض المقبل قبل حدوثه ـ غير مُحتاجة إلى ذاك الفنّ كي تؤرّخ لحظة، وتوثّق انفعالاً، وتكتب، أو ربما تشارك في كتابة فصلٍ أساسي من تاريخ بلد ومجتمع وثقافة وحياة.

 

 

لعلّ ذلك يتأكّد أكثر في غيابه شبه التام عن السينما، التي تشهد، في زمني الحرب المعطّلة والسلم المرتبك، إنتاجاً وفيراً يصبّ في النوعين التجاري وغير التجاري. ابتعاد السينما عنه (أمْ أنّه هو المبتعد عنها؟) ربما يكون دليلاً على فقدان الجاذبية بين الفنان والكاميرا. أو ربما زياد نفسه غير راغبٍ في تمثيل أدوار وشخصيات يكتبها آخرون وأخريات، باستثناء فيلمي "نهلة" (1979) للجزائري فاروق بلوفة، و"طيّارة من ورق" (2003) للّبنانية رندة الشهّال، إضافة إلى تأديته دور طبيبٍ نفسيّ يُعالِج صحافية "تُعتَقل" في مشفى للاضطرابات النفسية، في "مجنون يحكي" (2013) للّبنانية لينا خوري. لكنّ مشاركته في "نهلة" تقتصر على ظهور قصير، مؤدّياً دور مؤلّف موسيقيّ يُشبهه كثيراً، بينما يمثّل في الثاني دور ضابطٍ إسرائيلي مُكلّف بمراقبة منطقة عبور بين إسرئيل ولبنان، ينتبه إلى هيام جنديّ في فرقته بصبيّة درزية، يُفرض عليها الزواج من قريب لها في الجانب المحتلّ من القرية الدرزية اللبنانية.

يصعب التوقّف طويلاً عند دوره في "نهلة"، إذْ يؤدّي شخصيته الحقيقية، أي فنان موسيقيّ، يُمرِّن نهلة (ياسمين خلاط) على أغنية جديدة. لكنّ فيلم بلوفة هذا مُثير للاهتمام بقراءته وقائع من الحرب الأهلية اللبنانية، بعينيّ صحافي جزائري (يوسف السايح) يأتي إلى بيروت ويُراقب أحوالها وأحوال ناسها بعد أعوام قليلة على اندلاع حربها. أهمية "نهلة" تُقابلها أهمية "طيّارة من ورق" في معاينة بصرية لأحوال أناسٍ يعانون احتلالاً وأهواله، ويلتزمون تقاليد متشدّدة في اجتماعهم وعلاقاتهم، من خلال المُراهِقة لميا (فلافيا بشارة). وزياد، بتأديته دور الضابط الإسرائيلي، غير فاقدٍ كلّياً سخريته المعتادة، لكنّ شخصيته تفرض حالات وتفكيراً ومشاعر أخرى. تمثيله هذا كأنّه تمرينٌ على ابتكار شخصية تختلف تماماً عن كلّ شخصياته المسرحية والإذاعية، ما يعني أنّ هناك فسحة له لتغيير مؤقّت.

لكنّ هذا غير مانعٍ زياد الرحباني من العمل للسينما، عبر تأليفه الموسيقى التصويرية لـ"نهلة" و"طيّارة من ورق"، كما لـ"عائدٌ إلى حيفا" (1982) للعراقي قاسم حَول، و"وقائع العام المقبل" (1985) للسوري سمير ذكرى، و"بيروت، الفيلم المنزلي الأخير" (1987، مع الموسيقيّ الأميركي ليني مايرز) للأميركية جينيفر فوكس، و"متحضرات" (1989) للشهّال، و"ظلال الصمت" (2006) للسعودي عبد الله المحسن، الذي يبتعد مع حَول وذكرى عن الحرب الأهلية اللبنانية، الحاضرة في الأفلام الأخرى. كأنّ الرحباني الموسيقيّ يختبر سينمائياً كيفية منح كلّ فيلمٍ ما يرغب في إضافته إليه، أي أنْ تكون موسيقاه مرآة أخرى عن تلك الحرب، العاجزة عن دفعه إلى الهجرة، فالحاصل أنّها (الحرب) تجعله يُصرّ على البقاء في بيروت الغربية، مراقباً تدهور أحوالها وأحوال البلد لاحقاً.

في موسيقاه التصويرية انعكاس طبيعي لرهافة اشتغاله، المتناقضة مع قسوة العنف البيروتي، والارتباك الفردي للتائه فيها، والخلل الانفعاليّ لذوات وتفكير. كأنّه، بقلّة الأفلام التي يؤلّف موسيقاها، يُشير إلى حيرة له أمام هذا الفن: ابتعادٌ عن التمثيل، ومشاركته في التأليف الموسيقي نوعٌ من تمرين إبداعي آخر.

المساهمون