زياد الرحباني في السبعين: صعود السلم الموسيقي الأزرق

01 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
زياد الرحباني في بيت الدين، 12 يوليو 2018 (مروان طحطح/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زياد الرحباني أحدث تحولاً في الموسيقى العربية بدمج الجاز مع الموسيقى الشرقية، معبراً عن التوترات النفسية والاجتماعية في المجتمع اللبناني في السبعينيات، مما جعله مرجعاً لموسيقيي الجاز العرب المعاصرين.

- تجاوز التقاليد الموسيقية بإدخال الارتجال كعنصر بنيوي، مما أضفى حيوية وتفاعلاً بين العازفين، ودمج بين النظام المقامي الشرقي ونظام الدرجات الغربي لخلق "الهجنة المنسجمة".

- امتد تأثيره إلى موسيقى الهيب هوب والـ"تراب" العربي، مؤسساً وعياً فنياً يمزج بين الأصالة والحداثة، معززاً حرية التعبير الموسيقي.

لا يمكن فهم أثر زياد الرحباني (1956 - 2025)، الذي تحلّ اليوم الذكرى السبعون لميلاده، في الجاز العربي المعاصر، من دون التوقف ملياً عند نقطة الانفصال والاتصال مع المدرسة الرحبانية الأم. نشأ زياد في كنف مشروع فني كبير بناه الأخوان عاصي ومنصور رحباني، وهو مشروع قام في جوهره على هندسة هوية صوتية لبنانية مثالية، تستخدم لوناً من الكلاسيكية الغربية للتعبير عن بيئة قروية متخيّلة. إلّا أن زياد، وبحكم وعيه بالواقع اللبناني المتغير في السبعينيات، أدرك أن تلك القوالب، على جماليتها، لم تعد قادرة على استيعاب ضجيج المدينة وصراعاتها النفسية والطبقية. من هنا؛ بدأ تحوله نحو الجاز من دون اعتباره نوعاً موسيقياً مستورداً، ولعله تعامل معه بوصفه أداة تفكيكية يعيد من خلالها قراءة الواقع؛ فبينما كانت المدرسة الكلاسيكية تبحث عن التناغم (Harmony) المطلق، كان زياد يبحث عن التنافر (Dissonance) الذي يعكس حقيقة الشارع اللبناني إبان الحرب وما بعدها.
في بداياته، بدأ زياد بتطويع الهياكل الموسيقية التي ورثها، لكنه سرعان ما أدخل الارتجال، وتعامل معه باعتباره عنصراً بنيوياً، يمثل المبدأ الجوهري في موسيقى الجاز. جاء انتقال زياد من الأغنية ذات البناء الخطي (مقدمة، مذهب، كوبليه) إلى المقطوعات التي تعتمد على التطوير اللحني (Development) والتفاعل الحي بين العازفين، ليشكّل صدمة إيجابية في ذائقة الأجيال الجديدة. وقد انحاز دائماً إلى نقل الموسيقى من دور "المرافق" للكلمة إلى دور "البطل" المستقل، لتصبح الجملة الموسيقية بحد ذاتها موقفاً فكرياً يعبر عن التوتر والقلق والسخرية السوداء التي ميّزت شخصيته الفنية.

زياد الرحباني (رسم محمد معطي)
(رسم: محمد معطي)

ولذا؛ فإنّ محاولة فهم الجاز الرحباني تتجاوز الأحاديث السطحية عن إضافة آلة الساكسفون أو الدرامز إلى التخت الشرقي، أو وضع ألحان شرقية فوق إيقاعات غربية كما يفعل كثيرون. لقد تغلغل في بنية اللحن مستخرجاً طاقات تعبيرية تتماشى مع السلم الموسيقي الأزرق (Blue Note) الخاص بالجاز والبلوز. خلق هذا التداخل ما يعرف بالمرونة النغمية، إذ يشعر المستمع أن البيانو ينطق بلهجة بيروتية. ولا ريب أن هذه الريادة جعلت من زياد الرحباني المرجع الأساس الذي يستند إليه كل موسيقيي الجاز العرب المعاصرين، إذ منحهم "الشرعية" الموسيقية للجمع بين الأصالة والحداثة، من دون الخوف من اتهامات التغريب أو التشويه.
تتمثل الإشكالية الكبرى في دمج الموسيقى العربية بالجاز في التناقض الجوهري بين نظامين: النظام المقامي الشرقي القائم على المسافات الصغيرة (الربع تون) والتركيز على الميلوديا الأحادية، ونظام الدرجات الغربي (Equal Temperament) الذي يقوم عليه الجاز، والمدجج بالهارموني والتآلفات الوترية المعقدة (Chords). قبل زياد الرحباني، كانت أغلب المحاولات تكتفي بـ"تسكين" اللحن الشرقي فوق إيقاع غربي، أو التخلي تماماً عن الربع تون لصالح السلم الغربي. إلّا أن زياد خاض مغامرة موسيقية لإيجاد منطقة وسطى؛ ففي مقطوعاته، يلعب البيانو (وهو آلة ثابتة الدرجات لا تعزف الربع تون) دور المحاور والمحفز لآلات تمتلك حرية الحركة النغمية مثل البزق أو الناي أو الكمان، مثل ما فعل في مقدمة 83 التي صارت أيقونة أدّاها في عدد من حفلاته الحية، وظهرت في ألبوم "معرفتي فيك"، وأيضاً في قطعة "هدوء نسبي". هذا الحوار النغمي خلق ما يمكن تسميته بـ"الهجنة المنسجمة"؛ إذ تُبنى الخلفية الموسيقية على تآلفات جاز معقدة بينما يتحرك العازف المنفرد (Soloist) في فضاء مقامي شرقي يخاطب مزاج من يستمتع بأبعاد مقامَي الراست أو البياتي.
نقل زياد الرحباني مفهوم الارتجال من فكرة التقاسيم التقليدية، التي تعتمد غالباً على استعراض المهارة الفردية إلى مفهوم الجماعية القائم على التفاعل. في رؤيته لا يعزف المنفرد بمعزل عن الفرقة، بل يتلقى إشارات هارمونية من البيانو أو الكونترباص، ليرد عليها بجملة مقامية ربع-تونية، لتتحول الموسيقى من الحالة الفردية الساكنة إلى حالة الحوار الديناميكي المتوتر. ومن أوضح أمثلته مقدمة مسرحية "لولا فسحة الأمل"، التي يجد فيها المستمع تجسيداً لحالة تلقي الإشارة والرد عليها.
أثبت زياد أن الموسيقى العربية ليست مغلقة بطبيعتها، كما أثبت قدرتها على استيعاب أعقد الأنظمة الموسيقية الغربية إذا ما وجدت العقل الذي يفهم كيمياء النغم وكيفية مزجها، من دون أن يطغى طرف على آخر. وهذا المحور تحديداً هو ما جعل من زياد أباً روحياً لمعظم تجارب الجاز المعاصرة التي تلت، فكسر حاجز الخوف من التجريب.

زياد الرحباني (رسم محمد معطي)
(رسم: محمد معطي)

في التجربة الزيادية، كان الجاز ضرورة تعبيرية فرضها واقع بيروت وهي تتفتت تحت وطأة الحرب الأهلية. أدرك زياد أن القوالب الموسيقية الكلاسيكية، التي تبالغ في التهذيب والجماليات المثالية، لم تعد قادرة على محاكاة البشاعة اليومية أو القلق الوجودي للإنسان اللبناني. ومن هنا؛ وظّف طبيعة الجاز القائمة على التوتر (Tension) والانفراج (Release) لتعكس التناقضات الحادة في المجتمع. لقد كان الجاز عنده هو الموسيقى الوحيدة الصادقة، القادرة على استيعاب ضجيج القذائف، وسوريالية الطوابير، وانكسارات الأيديولوجيا، وتحويلها إلى لغة فنية تتجاوز الخطابة المباشرة.
نقل زياد موسيقى الجاز من صالونات النخبة وضيق النوادي الليلية الفخمة إلى الشارع بكل فوضاه. أصبح اللحن الجازي شريكاً في السخرية السياسية، وكان استخدام الآلات النحاسية بحدة بمثابة صرخات احتجاجية، بينما كان البيانو في عزفه المتقطع يجسد حالة الترقب والقلق التي يعيشها الفرد. إن دمج الكلمة الساخرة أو المونولوغ النقدي مع الهارموني الغربي المعقد خلق نوعاً من الصدام الجمالي؛ إذ تُقال أقسى الحقائق السياسية والاجتماعية على أنغام موسيقى كانت تُعتبر في السابق بعيدة عن هموم المواطن، كما يتضح في أغنية "صبحي الجيز" مثلاً، إذ عمل زياد على تبيئة الجاز ليصبح سلاحاً نقدياً.
لقد أراد أن يمرّر أعقد تركيبات الجاز إلى وعي العامل، والمثقف، والمقاتل على الجبهة. كانت الموسيقى عنده تعكس ديمقراطية الارتجال؛ فكما أن الجاز يعطي مساحة لكل آلة لتعبر عن ذاتها ضمن إطار جماعي، كأنّ زياد ينادي بمجتمع يتيح للفرد صوته الخاص. إن ارتباط الجاز عند زياد باليسار وبالفكر التحرري لم يكن اعتباطياً، بل حطم الهالة المقدسة حول الموسيقى الراقية، وجعل من "النشاز المدروس" مرآة لمجتمع يبحث عن هويته وسط الركام.
لعلّ هذا الترابط العضوي بين النغم والموقف هو ما جعل أثر زياد في الجاز العربي المعاصر أثراً فكرياً قبل أن يكون موسيقياً صرفاً. لقد علّم الأجيال اللاحقة أن الموسيقى مواجهة للقبح والظلم. وبذلك، أصبح الجاز في العالم العربي أسلوب حياة، وطريقة للتعبير عن الرفض، وأداة لفك شفرات الواقع الاجتماعي المعقد، ما مهد الطريق لكل فرق الأندرغراوند المعاصرة التي تتبنى الجاز باعتباره وسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي.
إن الأثر الذي تركه زياد الرحباني تجاوز المحاكاة ليصبح منهجية يعتمدها الموسيقيون الشباب في بيروت والقاهرة وعمّان وتونس. لقد كسر عقدة النقص تجاه الموسيقى الغربية، ومنح الموسيقي العربي المعاصر صكّ الغفران للعبث بالمقدس المقامي وتجريبه داخل أطر عالمية. واليوم، تستمد فرق الجاز والروك والـ"إليكترو-عربي" شرعيتها من تلك الثورة التي قادها الرجل. في بيروت تحديداً، يظهر أثر زياد في جيل كامل من العازفين الذين تشربوا فلسفته في الحوار الآلي. موسيقيون يحملون في طيات توزيعاتهم ذلك التوتر بين الشرق والغرب. هم لا يقلدون ألحانه، بل يقلدون جرأته التي تسمح لعازف بزق أن يصول ويجول فوق إيقاع درامز متسارع، أو تسمح لمغنٍ أن يلقي جملة تهكمية فوق توزيع أوركسترالي مهيب.
تمثّل الزيادية اليوم مرادفاً لعدم الخوف من التجريب، وللقدرة على تحويل الموسيقى من قوالب جاهزة إلى روح متحركة لا تعرف السكون.
امتد أثر زياد الرحباني إلى ما وراء الجاز التقليدي ليصل إلى موسيقى "الهيب هوب" والـ"تراب" العربي المعاصر (Arab Trap). فالعديد من المنتجين الموسيقيين الشباب يعودون إلى مكتبته لاستلهام الفكرة، أو لفهم فلسفة بناء "اللازمة الإيقاعية" التي تجمع بين القوة والروح. لقد أصبح زياد جسراً يربط بين جيل الكبار الكلاسيكيين وبين جيل "الديجيتال"؛ فهو الموسيقي الذي يمتلك كلاسيكية الرحابنة وحداثة الغد في آن واحد. أسس زياد وعياً فنياً جديداً، يجعل الجاز العربي اليوم قابلاً للتعبير عن قضايا الهوية، والهجرة، والحرية بلسان محلي ونغمة عالمية. لم يكن ظاهرة عابرة في تاريخ الجاز، كان أشبه بـ"الانفجار العظيم" الذي تولدت منه مجرات موسيقية لا تزال تتوسع حتى اليوم. لقد حوّل الجاز من لغة غريبة إلى لغة أم، وجعل من الارتجال وسيلة للبقاء في عالم مضطرب، مؤكداً أن الموسيقى الحقيقية هي تلك التي تولد من اشتباك الفرد مع واقعه، مهما كان هذا الواقع معقداً أو مظلماً.

سينما ودراما
التحديثات الحية

اليوم، يحتفل محبو زياد الرحباني وتلامذته بأول عيد ميلاد له بعد رحيله، لكن أهم أشكال هذا الاحتفال يتمثل في قراءة متأنية لأثره في الجاز العربي المعاصر، لأنّ تلك القراءة تقود إلى استنتاج جوهري: إنّ زياد لم يأتِ ليعلم مريديه كيفية عزف الجاز، وإنما جاء ليعلمهم كيف يصبحون أحراراً في موسيقاهم، وأن يلتزموا منهجاً في التفكير الموسيقي يقوم على الندية وليس التبعية، ولعل إرثه سيبقى يتردّد في كل مرة يقرر فيها موسيقي شاب كسر القالب، وخوض مغامرة الارتجال، باحثاً عن صوته الخاص وسط ضجيج العالم.

المساهمون