استمع إلى الملخص
- ممداني ربط قضايا العدالة الاجتماعية بالثقافة الشعبية، مما جذب دعم الجاليات الهندية والباكستانية والبنغالية، وعزز مكانته كصوت للشتات الآسيوي في أميركا، وواجه خطاب ترامب المعادي للمهاجرين بفعالية.
- نجاح ممداني الانتخابي تحدى هوليوود الليبرالية، حيث استخدم أدواتها لدعم أجندة اشتراكية، مما دفع بعض الشخصيات لإعادة النظر في مواقفهم، مشيرًا إلى بداية مرحلة جديدة في علاقة الفن بالسياسة.
مع إعلان فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، بدا المشهد أقرب إلى نهاية فيلم من إنتاج مشترك بين هوليوود وبوليوود. فالرجل الذي استمد حملته الانتخابية من رموز السينما الهندية (بوليوود)، استطاع أن يحول لغة الفن الشعبي إلى خطاب سياسي عابر للثقافات، وأن يربك في الوقت نفسه حسابات هوليوود الليبرالية التي لطالما اعتبرت نفسها الحاضنة الطبيعية للتقدميين الأميركيين.
بوليوود في قلب السياسة الأميركية
منذ بداية حملته، أدرك زهران ممداني أن طريقه إلى قلوب المهاجرين وناخبي الطبقة العاملة يمر عبر الذاكرة السينمائية الجماعية. فبدلاً من الإعلانات التقليدية، قدم مقاطع مصوّرة أشبه بمشاهد من أفلام هندية، تعيد تدوير رموز من أعمال مثل Deewar وOm Shanti Om وKarz.
في أحد مقاطع حملته الأكثر تداولاً، ظهر ممداني في مواجهة رمزية مع أندرو كومو مستخدماً مشهد المواجهة الشهير بين أميتاب باتشان وشاشي كابور في Deewar (1975).
كما استعان بأغنية "ديواناغي ديواناغي" من فيلم Om Shanti Om ليغلف مقاطع حملته بطاقة احتفالية مألوفة لجيل المهاجرين الآسيويين، بل استخدم لحن Karz (1980) لتقديم شرح فكاهي لآلية التصويت التفضيلي في نيويورك، حين سأل المشاهدين: "هل سبق أن صوّت؟".
بوليوود جسراً ثقافياً
لم يكن هذا التوظيف مجرد مساهمة جمالية؛ بل شكّل استراتيجية سياسية واعية. فقد أعاد زهران ممداني صياغة مقولات مثل "روتي، كبدة أور مكان" (الخبز، الثوب، والسكن)، عنوان الفيلم الكلاسيكي الذي يجسد مطالب العدالة الاجتماعية، كبرنامج انتخابي ركّز على القدرة على تحمل نفقات المعيشة في مدينة تعصف بها أزمة السكن.
كان خطابه أشبه بـ"السينما السياسية"، التي تمزج بين رمزية الطبقة العاملة في بوليوود وبين الخطاب التقدمي الأميركي. وقد وجد فيه أبناء الجاليات الهندية والباكستانية والبنغالية صوتاً يمثلهم في المجال العام الأميركي لأول مرة بهذا العمق. وفي المقابل، فتحت بوليوود له ذراعيها، إذ تناقلت وسائل إعلام هندية حملاته باعتبارها قصة نجاح ملهمة للشتات الآسيوي، بينما عبّر نجوم هنود عن دعمهم له على وسائل التواصل.
ابن ميرا ناير... والوريث الفني والسياسي
لم يكن حضور السينما في حملة زهران ممداني محض صدفة، فهو ابن المخرجة ميرا ناير، التي عُرفت بأعمال تستكشف هوية المهاجرين، مثل Monsoon Wedding وThe Namesake. وقد تربى في بيئة ترى في الفن أداة لتفكيك الطبقات الاجتماعية والجدران الثقافية.
هذا الإرث انعكس في لغته السياسية التي تتبنى "الحنين البصري"، أي استخدام الصور والمشاهد مفاتيحَ عاطفية للذاكرة الجماعية، ليعيد صوغ الانتماء المدني في نيويورك. وهكذا تحوّل الحنين لبوليوود إلى هوية سياسية جامعة، في مواجهة خطاب دونالد ترامب الشعبوي المعادي للمهاجرين.
هوليوود الليبرالية بين الانبهار والتحفظ
في المقابل، شكّل فوز ممداني لحظة مربكة لـ"هوليوود الليبرالية". فقد وجدت الصناعة السينمائية نفسها أمام سياسي يستخدم أدواتها الجمالية وخطابها الإنساني، لكنه يحمل أجندة اشتراكية واضحة تتجاوز مواقفها الرمزية.
أبرز النجوم التقدميين في هوليوود، مثل سبايك لي، مارك روفالو، وسينثيا نيكسون، سارعوا إلى دعمه، وشارك بعضهم في حملات التمويل والتشجيع. إلا أن آخرين داخل الدائرة الليبرالية أبدوا تحفظاً على مواقفه الصريحة من قضايا مثل الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والقضية الفلسطينية بشكل عام، إذ أعلن رفضه لفكرة "الدولة اليهودية الخالصة"، ما وضعه في موقع أكثر راديكالية من معظم حلفائه من الفنانين.
ورغم هذا التوتر، فإن هوليوود، بحسب موقع ذا هوليوود ريبورتر "تحب الفائزين". ومع اكتساح ممداني للانتخابات بفارق تسع نقاط، بدأت موجة من النجوم والمخرجين في إعادة تموضعهم إلى جانبه، ليس لكونه سياسياً ناجحاً فقط، بل لأنه رمز لمرحلة جديدة في علاقة الفن بالسياسة.
زهران ممداني... توازن بين صورتين
نجاح ممداني أعاد إلى الأذهان قصص "البطل الصغير الذي يتحدى النظام"، وهي بنية سردية مألوفة في كلتا الصناعتين السينمائيتين. فهو من جهة يقدّم نفسه "نجماً جماهيرياً" أقرب إلى أبطال بوليوود الكاريزميين، ومن جهة أخرى يتبنى خطاب الواقعية السياسية الذي يروق لهوليوود التقدمية.
أما على المستوى الدولي، فقد أصبح ممداني رمزاً لتلاقح الثقافات البصرية والسياسية، إذ استخدم لغة الفن الشعبي أداة تمكين سياسي. لقد خاطب المهاجرين بـ"هينغليش" (خليط من الإنكليزية والهندية) ليقول إن الهوية لا تُختزل في لغة واحدة، ولا السياسة في جغرافيا واحدة.
هوليوود ما بعد ممداني: هل يتغير وجه الليبرالية؟
فوز ممداني لا يمثل مجرد انتصار شخصي، بل اختبار لهوليوود نفسها. فالصناعة التي دعمت لعقود وجوهاً بيضاء تتحدث باسم الأقليات، وجدت في ابن المخرجة المهاجرة مرآة نقدية: فها هو يستخدم أدواتها ليتحدث عن عدالة جذرية تتجاوز الشعارات.
هوليوود الليبرالية، التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها ضمير أميركا، تواجه الآن سؤالاً صعباً: هل تستطيع التماهي مع سياسي لا يكتفي بالتبرع لقضايا إنسانية، بل يدعو إلى إعادة توزيع الثروة والسلطة؟
في الوقت نفسه، يبدو أن فوز ممداني فتح الباب أمام جيل جديد من السياسيين التقدميين ممن يجيدون توظيف ثقافة البوب، من "تيك توك" إلى أفلام السبعينيات، لتوصيل رسائلهم. وربما سيكون هذا هو الإرث الأكبر لعمدة نيويورك الجديد: أنه جمع بين حلم بوليوود العاطفي وواقعية هوليوود السياسية في سردية واحدة عن التغيير.