استمع إلى الملخص
- تطبيق "ماكس"، المطور من قبل شركة حكومية، يدمج الخدمات الرقمية والمراسلات، ويشهد نمواً سريعاً في عدد المستخدمين، مع التركيز على مزايا تعليمية وخدمات مصرفية، رغم المخاوف من الخصوصية والمراقبة.
- تبنت السلطات قوانين تفرض غرامات على استخدام VPN، مما يعقد التحايل على القيود، وسط اتهامات بأن التطبيقات الأجنبية تُستخدم في الأنشطة الإجرامية، وتعزيز "ماكس" كأداة مركزية للتواصل.
في اختبار حاسم لقدرة روسيا على فرض السيادة الرقمية، أقرت السلطات منذ مطلع الشهر الحالي سلسلة من القوانين الجديدة تهدف إلى الحدّ من استخدام التطبيقات الأجنبية في الحياة اليومية. وبعد حظر مكالمات الصوت والفيديو عبر تطبيقي واتساب وتليغرام في منتصف الشهر الماضي، استغلت العديد من المناطق الروسية بداية العام الدراسي لإلزام الهيئات التدريسية وأولياء الأمور باستخدام تطبيق ماكس الروسي في مجموعات الدردشة المتعلقة بالطلاب وشؤون الدراسة. وأصبح تثبيت التطبيقات الروسية شرطاً أساسياً لطرح الهواتف الذكية في الأسواق.
تطبيق ماكس، الذي طورته شركة فكونتاكتي الحكومية المشغّلة لخدمات البريد الإلكتروني Mail.ru وشبكة التواصل الاجتماعي VK، بدأ تشغيله في ربيع 2025، وبلغ عدد مستخدميه 18 مليوناً بحلول منتصف أغسطس/آب الماضي، وفقاً لوكالة إنترفاكس. وعلى غرار تطبيق وي تشات الصيني، يدمج "ماكس" بين الخدمات الحكومية الرقمية والمراسلات وخدمات أخرى متنوعة.
ولتمكين "ماكس" تدريجياً، حظرت السلطات الروسية تطبيق سيغنال في أغسطس 2024، مبررة القرار بعدم امتثال التطبيق لقوانين مكافحة الإرهاب، التي تتطلب تخزين بيانات المستخدمين داخل روسيا وتوفيرها للسلطات عند الطلب. وقيّدت هيئة تنظيم الاتصالات، روسكومنادزور، خلال العام الماضي الوصول إلى تطبيقات سيغنال، وديسكورد، وفايبر، مبررة حظر الأخير بـ"منع التهديدات المرتبطة بالاستخدام الإرهابي والمتطرف".
ورغم هذه الإجراءات، استمرت التطبيقات الأكثر شعبية مثل "تليغرام" و"واتساب" في العمل. ولكن منذ يونيو/حزيران الماضي، حُظر استخدام تطبيقات المراسلة الأجنبية لأغراض العمل داخل الجهات الحكومية، والمصارف، وشركات الاتصالات، والمتاجر الإلكترونية، مع السماح بالاستخدام الشخصي فقط.
وفي خطوة أكثر تقدماً، قيّدت السلطات منذ منتصف أغسطس مكالمات الصوت والفيديو في واتساب وتليغرام، من دون المساس بباقي ميزاتهما، تمهيداً لما يبدو أنه حظر تدريجي ونهائي، ولا سيما بالنسبة إلى واتساب، الذي تنتمي خدماته إلى شركة ميتا المصنفة "منظمةً متطرفةً" في روسيا منذ بداية الحرب على أوكرانيا.
وفي تصريح حديث، قال النائب الأول لرئيس لجنة سياسات المعلومات في مجلس الدوما، أنطون جوريلكين: "في السنوات المقبلة، سيبقى تطبيقان رئيسيان فقط في روسيا: تليغرام،، والمشروع الوطني ماكس"، معرباً عن أمله في أن يتفوّق "ماكس" تدريجياً ويستحوذ على الحصة الأكبر من السوق.
وفي إطار زيادة شعبية التطبيق وفرض استخدامه، أعلنت مدينة موسكو – على غرار نحو 20 مقاطعة روسية – أن محادثات أولياء الأمور في المدارس ستُنقل إلى تطبيق ماكس ابتداءً من العام الدراسي الجديد. وأكد وزير التعليم، سيرغي كرافتسوف، أن قطاع التعليم سينتقل لاستخدام التطبيق "في أسرع وقت ممكن".
وفي 13 أغسطس، فرضت السلطات قيوداً جزئية على المكالمات عبر تليغرام وواتساب، بحجة مكافحة "الأنشطة الإجرامية والإرهابية". ورداً على هذه الخطوة، أكدت واتساب أنها اتخذت إجراءات لحماية المستخدمين من عمليات الاحتيال المالي.
ووفقاً لمؤسسة ميديا سكوبي، يستخدم 68 مليون روسي واتساب، و55 مليوناً تليغرام يومياً. وفي محاولة لتخفيف الانتقادات، عدلت تليغرام سياسات الخصوصية الشهر الماضي، ما أتاح للمستخدمين رفض المكالمات من أرقام غير معروفة، للحد من الاحتيال أو محاولات التجنيد لأعمال تخريبية.
إضافة إلى أهداف الاستقلال الرقمي، أشار تقرير لمجلة فوربس بتاريخ 10 أغسطس إلى أن شركات الاتصالات الأربع الكبرى في روسيا طالبت بإلغاء المكالمات الصوتية ومكالمات الفيديو عبر تطبيقات المراسلة لزيادة أرباحها من خدمات الاتصال التقليدية، مقابل التزامها باستثمارات إضافية في مواجهة الهجمات السيبرانية والاحتيال الإلكتروني.
يعكس صعود تطبيق ماكس في روسيا مزيجاً من الطموح الرقمي والقلق الأمني. فالتطبيق يُروَّج عبر المشاهير ووسائل الإعلام، ويُفرض على المواطنين بقرارات رسمية، بينما تُقيد منافذ التطبيقات الأجنبية بوسائل تقنية وتشريعية متسارعة.
وأعلنت وزارة التعليم إدماج مزايا منصة سيف روم التعليمية الحكومية في "ماكس"، ما يعزز موقع التطبيق أداةً مركزيةً للتعليم والتواصل في روسيا.
في المقابل، عبّر خبراء عن مخاوف جدية حيال الخصوصية في "ماكس". ونقلت مجلة فوربس عن منظمة روسكومسفوبودا الحقوقية تحذيرات من استخدام التطبيق في المراسلات السرية. وقال إيليا بيريفالوف، الخبير التقني في المنظمة، إن "ماكس" يتمتع بإمكانيات مراقبة هائلة، وجميع المعلومات المرسلة تُخزن على خوادم حكومية ويمكن الوصول إليها من قبل أجهزة الأمن في الوقت الفعلي".
__________________________
وأشار بيريفالوف إلى أن إدماج خدمات الدفع والخدمات المصرفية داخل التطبيق يزيد من مخاطر الاختراق والاحتيال، خصوصاً في ظل غياب ضمانات كافية لحماية البيانات. من أبرز العيوب التقنية، أنه لا يمكن تثبيت "ماكس" إلا باستخدام أرقام هواتف روسية أو بيلاروسية، مع حظر شرائح الاتصال الافتراضية (eSIM)، ما يحرم الروس المقيمين في الخارج من استخدام التطبيق إلا في حال توفرهم على رقم محلي.
وفي خطوة تشير إلى قرب الحظر الكامل لتطبيقات المراسلة الأجنبية، تبنت السلطات الروسية قانوناً يفرض غرامات تصل إلى 80 ألف روبل على الأفراد، و500 ألف على الكيانات القانونية، في حال استخدام خدمات VPN، ما يجعل من الصعب التحايل على القيود المفروضة على واتساب وتليغرام. تستمر الحكومة في استخدام مزيج من الترهيب والترغيب والإقناع لدفع الروس نحو تبنّي "ماكس"، مروّجةً فكرةَ أن التطبيقات الأجنبية يستخدمها "الإرهابيون والمخربون" في تنفيذ عمليات إجرامية واحتيالات مالية.
وفي عام 2025، شددت السلطات قبضتها على الإنترنت، وانتقلت من الحجب الجزئي لبعض المواقع إلى تقييد وظائف تطبيقات المراسلة بالكامل، بل فرض حجب كامل أحياناً على الإنترنت المنزلي والمحمول. يبدو أن السلطات الروسية تراهن على أن الحظر الشامل لتطبيقي "واتساب" و"تليغرام" سيكون المرحلة الأخيرة، بعد تعقيد الوصول إلى خدماتهما، وتوسيع قاعدة مستخدمي "ماكس". وبينما تتحدث الحكومة عن "الأمن الرقمي والسيادة الوطنية"، يرى معارضون أن روسيا تقود مجتمعها نحو بيئة اتصالات خاضعة بالكامل للرقابة الحكومية.