رمضان 2026: موسم درامي مصري تحت الوصاية

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:18 (توقيت القدس)
تشارك منّة شلبي في بطولة مسلسل عن حرب الإبادة (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد الوسط الفني المصري قلقاً بسبب توجيهات الرئيس السيسي حول دور الدراما في الحفاظ على القيم، مع تحديدات تمنع إبراز رجال الأعمال الفاسدين والظواهر السلبية مثل التحرش.
- تواجه مسلسلات مثل "علي كلاي" و"فن الحرب" تحديات كبيرة لإجراء تعديلات جذرية، مع ضغوط على الأعمال المتعلقة بحرب غزة لتجنب انتقاد إسرائيل.
- تأتي هذه التوجيهات بعد انتقاد السيسي للمسلسلات التي ترفع سقف التوقعات الأسرية، داعياً لإنتاج أعمال تبرز قيم التعاون والشراكة.

قبل أسابيع من انطلاق موسم رمضان 2026 يعيش الوسط الفني المصري حالة من القلق والارتباك، بعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام، في كلية الشرطة، عن دور الدراما ومسؤوليتها، في طلبه من صنّاع المسلسلات "الحفاظ على القيم وصورة المجتمع"، ما فرض مناخاً جديداً من الحذر داخل الصناعة. وقالت مصادر من داخل الوسط الإنتاجي لـ"العربي الجديد"، إن هذه التصريحات واكبتها "محدّدات واضحة" نقلت إلى الكتّاب والمنتجين والنجوم المتعاملين مع الشركة المتحدة (مملوكة للمخابرات العامة وتحتكر العرض)، باعتبارها تعليمات مستمدّة من رغبة الرئيس نفسه، وبات الالتزام بها شرطاً أساسياً لاستمرار العمل. وأفادت المصادر بأن هذه المحدّدات تتضمن منع ظهور رجال أعمال فاسدين، ورفض تقديم شخصيات ذات مظهر حاد أو "شاذ"، أياً كانت طبقتهم الاجتماعية أو دورهم الدرامي في المسلسل، وعدم التركيز على سلبيات الزواج الثاني أو عرضه بوصفه أزمة اجتماعية، إضافة إلى الامتناع عن إبراز الظواهر السلبية مثل التحرّش أو "السلوكيات غير المنضبطة"، بحجّة أن إبرازها "يسيء إلى صورة المجتمع".
وأحدثت هذه التعليمات، كما قالت المصادر، بلبلة واسعة داخل الوسط، وأوجدت حالة من القلق بين العاملين في الصناعة الذين يخشون أن يؤدّي أي تعديل أو إيقاف للعمل إلى الإضرار بأرزاقهم، خصوصاً أن آلاف العاملين في الورش الفنية والتصوير والديكور يعتمدون، بشكل مباشر، على هذه الإنتاجات التي تُعد أكبر موسم درامي في العام. وترى المصادر أن ما يجري هذه الأيام يتجاوز مجرّد "ضبط مضمون" إلى أزمة حقيقية تهدّد بانهيار مواعيد التصوير والتسليم، فيما لم يعد يفصل الصناعة عن حلول شهر رمضان سوى شهرَين (منتصف فبراير/ شباط).
وكشفت المصادر عن الطلب من مجموعة من صنّاع المسلسلات إجراء تعديلات جذرية عليها، منها مسلسل أحمد العوضي "علي كلاي"، ومسلسل يوسف الشريف "فن الحرب"، و"أولاد الراعي" لماجد المصري وأحمد عيد، وهي أعمال كان بعضها قد بدأ تصويره بالفعل. ولم يقتصر الأمر على مسلسلات تنتجها شركات خاصة متعاملة مع "المتحدة"، بل طاول أيضاً أعمال الإنتاج المباشر للشركة نفسها، مثل "عرض وطلب" و"مناعة"، ومسلسل عن حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، و"عين سحرية" للفنان عصام عمر، وهو ما اعتبره بعضهم مؤشّراً إلى حجم التشدّد في الالتزام بالرؤية المطلوبة، حتى داخل البيت الإنتاجي للشركة.
وقالت المصادر لـ"العربي الجديد"، إن المسلسل الذي يتناول حرب الإبادة في غزة (بطولة إياد نصار، ومنّة شلبي وإخراج بيتر ميمي)، يواجه ضغوطاً إضافية، إذ جرى التنبيه، بشكل واضح، على كاتب العمل بضرورة التعامل بحذرٍ شديدٍ مع الخط السياسي للمسلسل، وأن يلتزم بـ"صياغة إنسانية" للأحداث من دون أي خطوط تُفسَّر باعتبارها هجوماً مباشراً على إسرائيل، أو تقديم دفاع غير مباشر عن حركة حماس. وأوضحت المصادر أن هذا التوجيه أثار نقاشات واسعة داخل فريق الكتابة، خصوصاً أن طبيعة العمل كانت تتضمّن في نسختها الأولى معالجة أكثر وضوحاً لممارسات الاحتلال داخل القطاع، قبل أن يُطلب إعادة تخفيف حدّتِها وإعادة صياغة بعض المشاهد لضمان توافق العمل مع المحدّدات العامة التي فرضتها الشركة المتحدة هذا الموسم.
وبحسب المصادر، حاول كتّاب ومنتجون إقناع اللجنة الفنية المشرفة على الدراما داخل الشركة المتحدة بأن التعديلات المطلوبة لا يمكن تنفيذها في هذا الوقت الضيق، وأن هدم خطوط كاملة من الدراما يعيد العمل إلى نقطة الصفر. وأوضحت المصادر أن اللجنة الفنية أبدت، في البداية، تفهّماً كبيراً لموقف العاملين في المسلسل، بل سعت إلى تقديم مقترحات وسطية أو حلول مرحلية، غير أن مسؤولي الشركة أصرّوا على الالتزام الحرفي بالتعليمات، باعتبارها "توجّهاً واضحاً" يعكس رؤية الرئيس السيسي لمضمون الدراما المصرية.
والمفارقة، كما تشير المصادر، أن الموسم الرمضاني الماضي حقق نجاحاً كبيراً على مستوى نسب المشاهدة والمبيعات الداخلية والخارجية، الأمر الذي عزّز ثقة المنتجين في الشركة المتحدة ودفع كثيرين للتوسع في مشروعاتهم للموسم الجديد. لكنّ النجاح التجاري لم يشفع بتخفيف حدة الرقابة، إذ أبلغت الشركة المنتجين بأن الرئيس غير راضٍ عن الموسم الماضي، خصوصاً مسلسلي "ولاد الشمس" و"لام شمسية"، اللذين حققا نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، وهو ما أعطى إشارة مبكّرة بأن النجاح الفني أو الجماهيري لا يُعد معياراً كافياً، وأن المعايير الحقيقية أصبحت مرهونة بمدى توافق الدراما مع رؤية رسمية صارمة لما يجب أن يُقال وما ينبغي إخفاؤه.
مع كل هذه المستجدات، يقف الوسط الدرامي على أعتاب موسم غائم وغير مسبوق في ارتباكه، إذ تواجه بعض المسلسلات خطر الإلغاء، وأخرى يعاد بناؤها بالكامل، فيما يواجه العاملون ضغوطاً مرهقة تهدّد جودة الإنتاج، وقد تدفع بعض المنتجين إلى التراجع أو الانسحاب من السوق، بحسب ما أكّده منتجون. ولم يعد القرار بيد صنّاع الدراما وحدهم، بل بات رهين رؤية مركزية تُكتب بعيداً عن غرف الكتابة، وتصل إلى العاملين باعتبارها أوامر لا تُناقش.
تأتي هذه التطورات بعد انتقاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لقائه التفاعلي مع المتقدمين الجدد للالتحاق بأكاديمية الشرطة في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بشدة ما وصفها بـ"الصورة غير الواقعية التي تقدّمها المسلسلات عن مستوى المعيشة والحياة الأسرية في مصر"، مشيراً إلى أن أعمالاً تُظهر العائلات في فلل ومساكن فاخرة لا يستطيع ثلثا المصريين تحمّل كلفتها، ما يخلق فجوة خطيرة بين الواقع وما يعرض على الشاشة.

سينما ودراما
التحديثات الحية

واعتبر أن هذا النوع من المحتوى يرفع سقف التوقعات، خصوصاً لدى بعض الزوجات، فيدفعهن إلى مقارنة حياتهن اليومية بما يشاهدنه في الدراما، وهو ما قد ينعكس في صورة شعور بعدم الرضا داخل الأسرة، ويساهم، من وجهة نظره، في زيادة التوتر وربما الوصول إلى الطلاق.
وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في اللقاء نفسه، على أن جزءاً من ارتفاع معدلات الطلاق يرتبط بتأثير الدراما على تشكيل الوعي لدى الأجيال الجديدة، وقال إن الأعمال الفنية أهملت عبر عقود إبراز نماذج الكفاح المشترك بين الزوجين، وركّزت بدلاً من ذلك على علاقات سطحية ومظاهر رفاهية لا تشبه واقع غالبية الأسر المصرية. ودعا السيسي إلى إنتاج أعمال تقدّم صورة "حقيقية" لظروف المصريين، وتُبرز قيم التعاون والصبر والشراكة داخل الأسرة، معتبراً أن الدراما جزء أساسي من قوة مصر الناعمة ومن أدوات تشكيل السلوك الاجتماعي، وأن مسؤولية صناعها لم تعد تقتصر على الترفيه، بل تمتدّ، كما قال، إلى حماية تماسك المجتمع والأسرة.