رحيل مايكل آبتد: السينمائيّ الصبور

13 يناير 2021
الصورة
مايكل آبتد في مهرجان نيويورك الـ57 عام 2019 (جيم سْبلمان/ Getty)
+ الخط -

 

إحدى ميزات أفلامه الروائية، المُنجزة في 45 عاماً (1972 ـ 2017)، تكمن في اهتمامٍ ملحوظٍ بسِيَر حياتية وحكاياتٍ مرتبطة بشخصيات معروفة، بدءاً من "أغاتا" (1979)، المرتكز على حدثِ اختفاء أغاتا كريستي 11 يوماً في ديسمبر/ كانون الأول 1926. بعده مباشرة، يختار الإنكليزي مايكل آبتد ـ الراحل في 7 يناير/ كانون الثاني 2021، قبل احتفاله بعيد ميلاده الـ 80 بـ 33 يوماً فقط ـ المغنية الأميركية لوريتا لين، لإنجاز "ابنة كول مينر" (1980)، منتقلاً ـ بعد تحقيقه أفلاماً عدّة ـ إلى عالمي الطبيعة والحيوانات، في أوغندا تحديداً، بإنجازه "غوريلا في الضباب: قصّة داين فاسي" (1988).

هذه أمثلة. لائحة أفلامه طويلة. التنويعات كثيرة. التشويق البوليسي حاضرٌ، وبعضه معطوفٌ على النفسيّ، كما في Blink، المُنجز عام 1994: إصابة بالعمى، وعلاجٌ يمنح المُصابَة به بعض رؤية، لكنّ المصيبة تقع، فهي شاهدة على جريمة قتل. السِّيَر الحياتية غير بعيدة عن النفسيّ أحياناً. بساطة المعالجة الدرامية تمتلك شيئاً مهمّاً من قراءاتٍ، تتناول ارتباكات وقلاقل وبحثٍ عن منفذٍ وخلاص. التجاريّ مقبول، فالمخرج يريد اشتغالاً، من دون الوقوع في مطبّ التقليد. آخر فيلمٍ له، "مفتوح (Unlocked)"، يجمع بين الاستخباراتيّ والإرهابيّ والنفسيّ، والأخير منبثقٌ من فشلٍ مدوٍّ في المهنة. فيلم يرسم صورة ما عن أميركا المعاصرة.

 

 

للتلفزيون في مهنته حيّز كبير. حلقات ومواسم ووثائقيات. "الفانتازيا"، كنوعٍ سينمائي، جاذبةٌ له، فيُحقِّق في إطارها "يوميات نارنيا: رحلة الفجر المظلمة" (2010)؛ تماماً كالكوميديا، فيُحقِّق فيها "حالة حرجة" (1987). هناك شيءٌ من الرومانسية أيضاً، كما في Continental Divide، المُنجز عام 1981. تنويعاتٌ تنفتح على تجربةٍ غير بعيدة عن معالم سينماه، رغم أنّها مستقلّة بحدّ ذاتها في عالم الاستخبارات والتجسّس: عام 1999، يُنجز الحلقة الـ19 من سلسلة أفلام جيمس بوند، بعنوان "العالم غير كافٍ"، الذي يؤدّي بيرس بروسنان فيه دور العميل 007 للمرّة الثالثة.

هذا يطرح سؤال: أيّ جديد يُقدِّمه مايكل آبتد، ابن القارة البريطانية نفسها التي تشهد ولادة جيمس بوند، روائياً وسينمائياً؟ تلك الحلقة، وإنْ تمتلك شروطاً "صارمة" يُفترض بكلّ مخرج التزامها عند تحقيقه فيلماً في السلسلة، تبقى عاديّة، وبروسنان فيها غير مُجدّدٍ، والمغامرات الخطرة، المعطوفة على بطولات يصعب تصديقها، مصنوعة بحِرفية من دون أنْ تمنح إضافة سينمائية أو غير سينمائية. في "مفتوح"، مثلاً، هناك ما يشي بتوغّل، وإنْ يكن مبطّناً، في كواليس الصراع القائم بين أميركا والإرهاب، وموقع بريطانيا والجهاديين فيه.

للسلسلة الوثائقية Up (تسعة أجزاء بين عامي 1964 و2019) مكانة خاصّة. أجزاءٌ تؤرّخ سيرة مخرجٍ يُنجز وثائقيات، وحياة 14 ولداً بريطانياً، منذ بلوغهم 14 عاماً. سلسلة تحفر عميقاً في الاجتماعيّ والاقتصادي للمملكة المتحدّة، من خلال أفرادٍ يتقدمون في السن، ويشهدون تحوّلات توثّقها كاميرا مخرج صبور ومتابع ودقيق في التقاط ملامح أكثر من زمنٍ وحكاية.

المساهمون