"رجل الرمل"... الحلم والخلود والحقيقة الأخرى

11 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 08:33 (توقيت القدس)
استعاد رجل الرمل مملكته التي فقدها في الموسم الأول (نتفليكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الموسم الثاني من "رجل الرمل" يركز على استعادة إله الأحلام لمملكته، مستعرضًا عوالم الآلهة والكائنات الخارقة، مع التركيز على مغامرات وعلاقات رجل الأحلام.
- المسلسل يمزج بين الحكاية والحلم، ويستعيد شخصيات تاريخية مثل شكسبير، مع تشابه في الأسلوب مع أعمال نيل غايمان الأخرى مثل "Good Omens".
- مستقبل المسلسل غير مؤكد بسبب اتهامات ضد نيل غايمان، مما يثير تساؤلات حول إنتاج موسم ثالث، رغم وجود سوابق لاستمرار الإنتاج رغم الفضائح.

بثت منصة نتفليكس، قبل أيام، الموسم الثاني (والأخير؟) من مسلسل "رجل الرمل" (The Sandman)، الذي يحكي قصة إله الأحلام ومآسيه الرومانسيّة، لكن هذه المرة بعد أن استعاد مملكته التي فقدها في الموسم الأول، ليعود الآن إلى مهامه في السيطرة على "الأحلام" وتدبير شؤونها.
لن نحاول الإشارة إلى مجريات المسلسل منعاً لإفساد متعة حضوره، لكن الملاحظ أن "رجل الرمل" ينضوي تحت فئة واسعة من المسلسلات التي تتناول عوالم الآلهة والشياطين والعفاريات وغيرها من الكائنات، وتقديمها بأساليب مختلفة، وكأننا أمام رغبة بإعادة تقديم الأساطير والحكايات بأسلوب أكثر شعبية، ربما في محاولة لمنافسة عوالم مارفل ودي سي، التي دمجت عوالم السحر والتكنولوجيا والآلهة مع الأبطال الخارقين.
هذا الاستكشاف لعوالم الآلهة المتنوعة، سواء أكانت توراتية أم إسكندنافية أم حتى متخيلة، يتحرك كله حول رجل الأحلام، ذاك الذي تقوده المغامرات وعلاقات الحب والعائلة إلى مغادرة مملكته. بصورة ما، كأن عالم الأحلام لا يكفيه، لنراه دوماً يحاول الفرار منه.
يكشف لنا سعي رجل الرمل لمغادرة مملكته ضعفاً في الحبكة، فالشخصية التي تبدو متوازنة، فجأة تغرق في رومانسيتها، وتقرر التخلي عن مسؤوليتها، وملاحقة حبيبة قديمة، أو ابن ضائع، لتتحول فجأة الشخصية الخالدة الحكيمة إلى ما يشبه مراهقاً يلاحق أحلامه وهواجسه القديمة من زمن كان فيه قاسياً، أو ربما، حسبما يكون في كل حلقة، هي عبارة عن مشاكل ليست إلّا نتاج سوء فهم، لا تظهر فيه حكمة رجل الرمل، بل تسرعه، وأحياناً ظلمه.


يكتشف المسلسل في كل مرة فئة جديدة من الآلهة والكائنات الخارقة، ويستعيد مثلا شيكسبير، في مقاربة جمالية تكشف عن دور "الأحلام" في بناء عبقريته، والإشارة إلى دور الحكاية في "الخلود". وهنا تكمن المفارقة، لكون المسلسل يحاول المزاوجة بين الحكاية والحلم، بوصفهما مساحة لـ"حقيقة" أخرى، في عالم آخر لا بد من ضبط قواعده، وإلا فسينهار.
يتحدث المسلسل عن أسرة تخوض خلافات عائلية يمكن وصفها بالتقليديّة. أسرة تحاول أن تعيد لمّ شملها بعد آلاف السنين، إثر رحيل بعض أفرادها بعيداً لأسباب مختلفة، وكأن الخلود لعنة، لكن في الوقت نفسه فإنّ ملامح هذا "الخلود" لا تبدو واضحة؛ فبعض الشخصيات سطحية وانفعاليّة، وتتهرّب من مسؤولياتها، وهي التهمة التي يوجهها رجل الرمل إلى أخيه الأكبر، الذي هرب، فيما يسعى هو نفسه في أي فرصة للهرب من مسؤولياته في إدارة الأحلام.
الألفة التي نتلمسها في المسلسل والتشابه مع إنتاجات أخرى تعود ربما إلى أن أحد المشاركين في صنعه، الكاتب البريطاني نيل غايمان، الذي سبق أن كتب روايات Good Omens وAmerican Gods، وتحوّل كلا العملين إلى مسلسل يتحرك في العوالم "الإلهية" نفسها ويقودها بطل واحد. نحن إذن أمام استثمار في موضوعة تغزو منصات البث التدفقي؛ فقبلها كانت السيطرة لموضوعة القتلة المتسلسلين التي سبقتها موضوعة محققي الإنترنت الهواة، ما يعكس منطق السوق الذي لا يبحث عن الفرادة، بل الخوارزمية. سوق يلبي الرغبة في التشابه التي تعمل ضمنها الخوارزمية، عبر صناعة محتوى يدور في فلك واحد، من دون أن تحاول منصة اقتراح دراما مغايرة إلا في ما ندر، مثل مسلسل The Bear الذي أنتجته منصة هولو (Hulu)، ويمكننا مشاهدته على "ديزني بلاس".
مستقبل "رجل الرمل" لا يزال غامضاً، وليس واضحاً بعد إن كان سيُنتج موسماً ثالثاً بعد اتهامات الاعتداء الجنسي التي طاولت نيل غايمان؛ وجّهتها ثماني نساء على الأقل. هذه الفضيحة لا نعلم كيف سيكون التعامل معها في زمن ترامب وما بعد "أنا أيضاً" (Me Too)، ولا نقصد جنائياً، بل إنتاجياً، خصوصاً أنه في حالات مشابهة أكمل فيها عرض المسلسل على رغم الفضيحة، كما حصل حين استبدل جاستين رويلاند، المؤدي الصوتي في مسلسل "ريك أند مورتي" بغيره، واستمر الإنتاج.

المساهمون