راهن "الجوع"... وتمثيله

29 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
محمود عبد العزيز في "إبراهيم الأبيض": أداء لا يُنسى (الملف الصحافي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فيلم "الجوع" (1986) لعلي بدرخان يعكس واقعاً متدهوراً في الحارات الشعبية، مستوحى من "سارق النغمة" لنجيب محفوظ، ويستعرض قضايا الفقر والسلطة والجشع، مما يجعله ملائماً للعرض في أي وقت ومكان.
- رغم مرور 40 عاماً على عرضه الأول، يظل الفيلم جذاباً بفضل الأداء التمثيلي المتميز لسعاد حسني ومحمود عبد العزيز ويسرا، مما يدعو لإعادة مشاهدته والتأمل في جماليات التمثيل.
- التمثيل في "الجوع" يتجاوز الوظيفة التقليدية، حيث تصبح الشخصيات مرآة للواقع والمشاعر، مما يبرز أهمية الأداء في خلق عوالم مستقلة عن النص والإخراج.

 

يُشاهَد "الجوع" (1986)، لعلي بدرخان، في راهن يزداد انهياراً وبؤساً، فيُظنّ لوهلة أنه مُنجز الآن. زمن الحاصل فيه غير مُحدَّد، كما الحارة الشعبية. أي أن الحاصل يُمكن أن يحصل في أي حارة شعبية، تُشبه ما يكتبه نجيب محفوظ في "سارق النغمة" (المقتبس منها الفيلم)، الحكاية التاسعة في "ملحمة الحرافيش" (1977)، في كل وقت وأي مكان. ما يُعاش حالياً في بلدان كثيرة، عربية وعالمثالثية، يحضر في فيلمٍ، يتغلغل في أحوال الفقر والسلطة وبطشها، والعلاقات الطبقية والعائلية، والجشع القاتل، والتأخّر في مواجهة الخراب.

لا إشارة إلى سبب عروض تلفزيونية له، قبل أسبوع، رغم أنه يمتلك "مناسبات" عدّة، أبرزها ذكرى مرور 40 عاماً على أول عرض تجاري مصري له (1 سبتمبر/أيلول 1986)، والعيد الـ80 لولادة مخرجه (25 إبريل/نيسان 1946)، والاحتفاء بربع قرن على "وفاة" سعاد حسني (21 يونيو/حزيران 2001)، وأسبوع واحد على رحيل عبد العزيز مخيون (10 يونيو/حزيران 2026)، وغيرها.

لكن فيلماً كهذا غير محتاج إلى سبب لإعادة مشاهدته، ففيه مسائل تحثّ عليها، وأداء تمثيلي يُثير مُتعاً رغم شقاء وقهر. وإذْ يصعب التغاضي عن عدم إبهار في جوانب فنية وتقنية قليلة، يجعل التمثيلُ (سعاد ومحمود عبد العزيز ويُسرا ومخيون وغيرهم) إعادةَ المشاهدة مناسَبة لتمعّن أكثر وتفكير أهدأ به، فهناك جماليات في هذه المهنة، يعتاد هؤلاء صُنعها، حتى في أفلام أقلّ أهمية، سينمائياً ودرامياً وفنياً.

فالتمثيل مهنة يُفترض بها أن تتحرّر من الوظيفة، وهذا يفعله عبد العزيز وسعاد ومخيون ويسرا (بداياتها التمثيلية أهم بكثير من أفلام عدّة لاحقة). في "الجوع"، تُصبح كل شخصية مرآة واقع ونفسٍ ومشاعر. في أفلام أخرى لسعاد ومحمود مثلاً، تلك التي تُعتبر أقلّ أهمية من روائع أخرى لهما، يصنع الأداء عالماً، كأنه يستقلّ بنفسه عن الفيلم وحكايته ومساره وأسلوب إخراجه، ما يستدعي تنبّهاً إلى تمثيلهما، بل إلى كيفية التمثيل.

"حب في الزنزانة" (1983) لمحمد فاضل مثلٌ اول: نص عادي، وحكاية لا جديد فيها، واشتغال سينمائي يُشاهَد. أما سعاد حسني، فكأنها، بعينيها على الأقل، تمتلك سحراً، لقدرتها على قول وتعبير بلغة الصمت، ترويهما العينان فقط، وهذا كافٍ منها. "إبراهيم الأبيض" (2009) لمروان حامد مثلٌ ثان: رغم انتمائه بجدارة إلى التشويق في أحوال العصابات والجرائم، المصنوع (التشويق) بحِرفية مهنية جاذبة، يبلغ محمود فيه مرتبة أدائية لن تقلّ جمالاً وإبهاراً عن أدوار سابقة له، كالشيخ حسني في "الكيت كات" (1991)، أحد أجمل أفلام داود عبد السيد (عن "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان، 1983).

هذا يحتاج إلى أكثر من نقاش. "الجوع" آنيّ، وبعض التمثيل فيه غير منسيّ البتّة.