رامي خليفة في الفيدار: البيانو في مواجهة البحر

25 مايو 2025   |  آخر تحديث: 12:36 (توقيت القدس)
رامي ومارسيل خليفة خلال الحفلة (جمال السعيدي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- رامي خليفة يبتكر تجربة موسيقية حسية متكاملة، حيث يتفاعل مع البيانو كوسيط حيّ، ممزوجاً بين الصوت والحركة، ليقدم موسيقى تتماهى مع الطبيعة وتترجم حركة المدّ والجزر إلى لغة نغمية.

- في عرضه الأخير في الفيدار، دمج خليفة بين الأداء البصري والصوتي، حيث وضع البيانو أمام البحر، وقدم معزوفة "محيط" التي تحاكي إيقاع الماء، مضيفاً إيقاع دبكة جسدية لكسر الفصل بين الصوت والحركة.

- مارسيل خليفة شارك ابنه في عزف مقطوعات، مما أذاب الحدود بين الفنان والجمهور، محولاً العرض إلى تجربة حسية كاملة تدعو للتأمل والانغماس في الموسيقى كلغة مشتركة.

يعود رامي خليفة ليطرح مقاربة شخصية للعلاقة بين الإنسان والموسيقى. لا يقدّم نفسه عازف بيانو تقليدياً، بل كمن يتعامل مع آلته بوصفها وسيطاً حيّاً، يُصغي إليه بقدر ما يقوده. ابن العائلة الفنية المعروفة، يختار لنفسه مساراً يتقاطع مع التراث لكنه لا يتوقف عنده. تتضح بصمته من النوتة الأولى، ويوازي المشهد البصري لعزفه جمالياً ما يُسمع، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. يقول رامي عن موسيقاه: "هي تماهٍ مع الطبيعة. تنقل لكم المحيط إلى المسرح. أغمضوا عيونكم، وتنشّقوا رائحة اليود... ولكن لا تسترخوا كثيراً، فالمحيط يحمل الأعاصير أيضاً".
العلاقة هنا لا تقتصر على التماهي، بل تتعداها إلى ترجمة حركة المدّ والجزر إلى لغة نغمية متحركة. بالنسبة إليه، لا تحتاج الموسيقى إلى تصنيف "عالمي"، فالموسيقى الجيدة تحمل بعدها الإنساني أينما كانت. وهو في عزفه لا يعتمد على التقنية وحدها، بل يشارك جسده كله في بناء الجملة الموسيقية، مازجاً الأداء الحركي بالصوتي، متنقلًا بين الهدوء والانفعال بانسجام واضح.

في عرضه الأخير في Silk Factory في الفيدار (شمالي بيروت)، حيث تلتقي البنية الصناعية القديمة بهدوء البحر، قدّم خليفة أمسية حملت طابعاً بصرياً وصوتياً متناغماً. البيانو وُضع في مواجهة البحر، وصوت النوارس المتخيَّلة تداخل مع المقاطع الموسيقية، ما عزز شعوراً بالمشاركة بين الفنان والطبيعة. في هذا السياق، قدّم خليفة معزوفته الجديدة "محيط"، التي تنسج بناءها على إيقاع الماء وتبدّل مزاجه. تبدأ بخفوت وتمتد إلى ذُرى درامية ثم تعود إلى السكون، في محاكاة لحركة الأمواج. الأداء لم يكن سمعياً فقط، بل بصرياً أيضاً، إذ انسجم جسده مع الإيقاع، متمايلًا كقارب في قلب البحر. في لحظة أخرى، خرج عن شكله التقليدي، مضيفاً إيقاع دبكة قدّمها جسده بينما واصل العزف، في مقاربة حركية تسعى لكسر الفصل بين الصوت والحركة، بين الآلة والأرض. مارسيل خليفة وصف ابنه قائلاً: "أسلوب تأليف أخّاذ، وعزف جميل في مناطق صوتية مختلفة... قفزة أوكتاف من قرار الصوت إلى جوابه، ثم انسياب خافت في تتابع سلس وبسيط".

في نهاية الأمسية، صعد مارسيل إلى المسرح وشارك رامي في عزف مقطوعة "الخيام"، ثم انتقلا إلى مقطع من "أندلس الحب"، ليختمها مارسيل ببيت: "يطير الحمام، الحمام... يحطّ الحمام". وردّده الجمهور كأنه نشيد مشترك بين الفنان والمستمع. تلك اللحظة أذابت الحدود بين الخشبة والصالة، بين المؤدي والمتلقّي، وشكّلت ذروة في التفاعل الجماعي. العرض لم يكن فقط حفلاً موسيقياً، بل تجربة حسّية كاملة، تمزج بين التأمل والانفعال، الحركة والصوت، في مقاربة تنقل الموسيقى من كونها أداءً إلى كونها تجربة عيش.
رامي خليفة يقدّم نموذجاً لفن لا يكتفي بالصوت، بل يشمل الجسد، ويستدعي الحضور الكامل للحظة. موسيقاه ليست عرضاً مبهِراً، بل دعوة للإصغاء والتفاعل والانغماس، بتجرّد وهدوء، في ما يمكن أن تصنعه النغمة حين تصبح لغة مشتركة.