"ذا نيويوركر: مئة عام"... تلك اللغة القائمة على المفارقات

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:36 (توقيت القدس)
معرض يحتفي بالمجلة في مايو الماضي بمناسبة مئويتها، نيويورك (آنجيلا ويس/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تاريخ وتأثير "ذا نيويوركر": تأسست في فبراير 1925، واحتفظت بمكانتها من خلال تقديم محتوى يجمع بين السخرية والجدية، ولعبت دوراً محورياً بعد الحرب العالمية الثانية بنشر تقرير جون هيرسي عن هيروشيما.

- أسلوب العمل الصحافي: يتميز صحافيو "ذا نيويوركر" بالنزول إلى الميدان لاكتشاف الأحداث بأنفسهم، مما يتيح لهم تقديم قصص شخصية ومميزة، مع عملية تحرير دقيقة تضمن توافق النص مع معايير المجلة.

- التطورات والتغيرات: شهدت المجلة تغيرات في رئاسة التحرير، واحتفظت بتأثيرها من خلال رسوم الكارتون المثيرة للجدل، ولم تخسر مالياً رغم مرور 100 عام، مقدمة وعداً دائماً بنصوص مميزة.

بثت منصة نتفليكس أخيراً وثائقياً بعنوان "ذا نيويوركر: مئة عام"، الذي يتضح من عنوانه أنه احتفاء بواحدة من أبرز المجلات في العالم، "ذا نيويوركر"، التي انطلق عددها الأول في فبراير/ شباط عام 1925، وما زالت حتى الآن حاضرة، محافظة على نبرتها المتعالية الساخرة والمهنيّة، إلى جانب مواضيعها المشوّقة. مجلّة يبدو قرّاؤها أشبه بـ"طائفة" يجمعهم حسّ الدعابة والجديّة والاختلاف عن "متصفحّي" الجرائد.
يكشف لنا الوثائقي كواليس احتفال المجلة بنفسها وكتابها وهويتها، إذ نتعرف إلى مُنشئها هارلود روس وزوجته، بوصفها مساحة للتعبير عن روح المدينة بصورة ساخرة، إضافة إلى الالتزام بالعمل الصحافي الجدي، لتجمع بين التقارير الصحافية المعمقة والقصة القصيرة، والأهم رسوم الكارتون.
لعبت "ذا نيويوركر" دوراً محورياً بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي في اليابان. حينها، لم يكن الجمهور الأميركي على معرفة بحجم الدمار الذي شهدته المدينتان، ما دفع الصحافي جون هيرسي إلى زيارة هيروشيما، وكتابة نص طويل يحمل اسم المدينة، يصور فيه الأهوال التي شهدتها. صحافياً، كان هذا النص الذي أفردت له المجلة حينها كلّ صفحاتها، بداية شكل جديدة من الصحافة القصصية، إذ يعتمد الكاتب على السرد القائم على الحقائق، لينقل إلى القارئ تجربة لا تقتصر على "التقرير"، بل اختبار الحدث الذي يجسّه الصحافي بوصفه شخصاً ومراقباً، يتفاعل مع ما يحصل حوله.
يركز الوثائقي على أسلوب عمل الصحافي، خصوصاً "الكتّاب الدائمين"، أولئك الذين لا يعملون وراء المكتب، بل يهبطون على الأرض، لاكتشاف الظواهر والأحداث، سواء كان الأمر يتعلق بحفلة موسيقية، أو ضابط نازي في سورية؛ فالمجلة تستهدف مفهوم "الكاتب" ذي المهارة السرديّة، فهو يختبر بجسده وقلمه الظاهرة التي يبحث فيها. هذا النوع يتركنا أمام قصص ذات طابع شخصي تنقل جوانب غير مألوفة للقارئ؛ فالكاتب هو الأساس، ولا نتحدث عن الكاتب العادي، بل ذاك القادر على الملاحظة والرصد والتفسير والالتزام بمعايير "ذا نيويوكر". نقصد مثلاً نبرة السخرية الدفينة والوقوف على المسافة نفسها من الموضوع. نقصد تلك اللغة القائمة على المفارقات، واستخدام علامات الترقيم المميزة. الكتابة لـ"ذا نيويركر" أشبه بدخول عالم مختلف عن الصحافة اليومية التقليديّة، فكلّ كلمة تخضع لطبقات من التحرير والتدقيق والتأكد من المعلومات، ثم ضبط الأسلوب بما يتناسب مع المجلة، تلك التي تستعرض قدرة كتابها على اللعب مع الكلام.

نتعرف في الوثائقي إلى التغيرات التي طرأت على رئاسة تحرير المجلة، واختلاف "الصوت" الذي تمثله، ثم دخولها مرحلة عصرية مع تولي كريستينا براون رئاسة التحرير، بين عامي 1992 و1998، إذ حاولت أن تخلق نوعاً من التوازن بين الأصالة التي تمثلها المجلة وروح العصر الشعبية، وهذا ما يتضح في ظهور المجلة نفسها في عدد من المسلسلات، أشهرها "ساينفلد" مثلاً، وكأن المجلة جزء من مدينة نيويورك كما هو بناء ذا إيمباير ستيت.
ما يميز المجلة هو رسوم الكارتون التي تحويها، تلك التي لطالما كانت محط جدل، خصوصاً المبهمة منها، ذات المعاني المتعددة، رسوم صغيرة مع عبارة واحدة، تخفي نكتة أو سخرية يقال إنها تخاطب جمهوراً محدداً من "المثقفين"، وهذا بالضبط ما رأيناه في إحدى حلقات "ساينفلد"، حين عجزت إيلين بينيس عن فهم أحد الرسوم، لتكون الحلقة بأكملها محاولة لتفسير ما نشرته المجلة.

أسلوب العمل الصحافي في "ذا نيويوركر" مختلف عن ذاك التقليدي، الكاتب-الصحافي لا يختبئ وراء الشاشة أو في المكتب، بل نراه يتنقل من مكان إلى آخر، يكتشف جغرافيات جديدة، يرصد الحدث بأم عينه، وهذا ربما سبب استمرار "ذا نيويوركر" حتى يومنا هذا. ما زالت المجلة تمتلك القدر نفسه من التأثير، والأهم أنها لم تخسر مالياً، فهي تقدم وعداً للقارئ بنص مختلف ومميز... وعدٌ ما زالت المجلة قادرة على الوفاء به بعد 100 عام.

المساهمون