"ذاكرتي مليئة بالأشباح": الكاميرا مساحة للتأمّل

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:24 (توقيت القدس)
حمص في وثائقي الزواهري: مساحة للمشاهدين والشخصيات (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "ذاكرتي مليئة بالأشباح" للمخرج أنس الزواهري يروي قصص أبناء حمص العائدين بعد التهجير، مسلطًا الضوء على العلاقة المعقدة بين السكان ومدينتهم باستخدام السرد البصري والصوتي.
- يعتمد الفيلم على التناقضات الحياتية، حيث يصور الدمار بكاميرا ثابتة بينما تروي الشخصيات لحظاتها القاسية، مما يفتح آفاقًا جديدة للتفكير في مستقبل المدينة وسكانها.
- يُظهر الفيلم حجم الدمار في حمص عبر لقطات واسعة، ويشكل وثيقة فنية توثق ما حل بالمدينة، ويتيح للمشاهدين فرصة لإعادة النظر في معتقداتهم.

 

"من جديد، ها أنا في حمص، مدينتي القديمة. عائدٌ لئلا ينال النسيان منّي. لأصنع لنفسي ذاكرة ممّا تبقى، فتملأ الأشباح ذاكرتي". يستهلّ أنس الزواهري فيلمه بهذه العبارة، التي تكاد تُلخّص عملاً يرثي من ذهبَ ومن بَقي.

الزواهري مخرج ومنتج مستقل. فلسطيني سوري مقيم في دمشق، وأستاذ مادة السينما في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. عبر "ذاكرتي مليئة بالأشباح" (2023)، المشارك في الدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع (متروبوليس بيروت)، يُسلّط الضوء على حياة أبناء المدينة، العائدين إليها بعد التهجير والقصف والدمار، فيروي كل منهم قصته المليئة بالرعب والمآسي.

الفيلم عن مدينة حمص، وحال أبنائها بعد عودتهم إليها، والعلاقة التي تجمعهم بها. بالسرد، تتشارك الشخصيات قصصها وأوجاعها، فنتَعرّف إليها من خلال أصواتها، وإلى المدينة، وإلى ما أبقت الحرب منها. يُدخِلنا في حالة تأمّل. نحدّق بالوجوه وعيون أهل المدينة، الذين يتعايشون مع ركام المنازل كأنه جزء منهم.

تقول إحدى الشخصيات، عندما تُسأل عن اختيار المتحدثين، إنهم هم الذين تقدموا وتطوعوا لسرد قصصهم. في هذه المعلومة، دلالة على حاجة الناس إلى مشاركة وجعها مع الآخرين، وإلى التواصل. لا شكّ أن القصص وانتقاءها، وطريقة سردها على لسان الشخصيات، شديدة الأهمية والتأثير، لكن بعض الأحاديث يُمكن أن تكون محبوكة بطريقة أفضل، ليس لافتعال التأثير بالمشاهد، بل للخروج من بعض الكليشيهات في الحديث. تنظر شخصيات مباشرة في العدسة، كأنها تلقي عن كاهلها ثقل قصصها. لحظات الاشتباك الحيّ المباشر بين الكاميرا والشخصيات رفعت من جرأة الفيلم، ولعلّها أنقذته من الرمادية التي تسوده.

اللغة الإخراجية اعتمدت على التناقضات الحياتية، فصوّر الزواهري مشاهد الدمار بكاميرا ثابتة توحي بالسكينة، بينما تروي الشخصيات أقسى اللحظات التي مرّت عليها. اختارَ أن يكون هناك تضاد بين الصوت والصورة في بعض المواضع، ما يعكس حالة الشخصيات وعلاقتها بالمدينة: تضاد بين حب الشخصيات/ الناس لها، واستيائهم منها.

تُعيد الصورة فيه تشكيل إدراكنا لمفهوم الثابت والمتحوّل، باعتبار الثوابت تخضع للمتحرك فيها، نسبة إلى قواعد الجدل، فيفتح الفيلم بالصورة والصوت إمكانية تحوّل الثابت إلى متحرك، أو إمكانية إعادة تشكيله، باعتبار أن الثابت يمثّل التعصب والانغلاق والتحديث. يحثّ الفيلم بطريقة غير مباشرة على إمكانية تحوّل هذا الثابت، أو ما اعتبرناه ثابتاً، إلى متحوّل، أو إلى إمكانيات وآفاق أخرى.

 

 

اللقطة الأولى الطويلة توحي بالديناميكية الكامنة في المدينة. لا ناس فيها. عصافير لا توحي بالحرية. أبناؤها مثقلون. حمص التي اشتهرَت بالضحك، أهلُها بائسون. يتفحّص المُشاهد اللقطة، لتتحوّل من مشهد إلى مساحة لإعادة النظر والتأمّل في ما خلّفته الحرب. في نهج التضاد نفسه، تكسر الكاميرا في اللقطة الأخيرة قيود الجمود، وتتحرك بعد طول ثبات، لتجول في شوارع حمص مع أصوات تناشد بأمل خجول، ربما لا يكون محصوراً بالمدينة هذه. أمل بحياة أفضل أينما حلّوا.

اعتماد اللقطات الواسعة يُظهر حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمدينة، فباتت أشبه بمدينة أشباح. لم تكشف هذه اللقطات حجم الدمار فقط، بل شكّلت رمزاً لحالة الشخصيات التي تتجوّل بين أزقتها، في فراغٍ ووحدة يثقلان عليها. رغم أن "ذاكرتي مليئة بالأشباح" يحمل في طياته وجع أبناء حمص وقصصهم، طغت الرمادية عليه. ليست الغاية توجيه الاتهامات إلى فئة معينة، أو الإجابة عن سؤال دام عقوداً: هل كنت مع النظام، أم ضده؟ لكن، لا بدّ من وضعه في سياقه السياسي. فالفيلم أنجز قبل سقوط النظام، وكما قال الزواهري في مقابلة: "كان ليأخذ شكلاً مختلفاً لو صُوّر بعد سقوطه". هذا يُعيدنا إلى أهمية الصراع السياسي القائم آنذاك. لكن أنس اختار عدم التطرّق إليه، وهذا خيار إخراجي مشروع.

مع ذلك، هل كانت إضافة لقطة لبشار الأسد، قبل انتهاء الفيلم، قراراً صائباً درامياً؟ فتارةً، يُركّز المخرج في لقطاته على إيصال مشاعر إنسانية، كالوحدة والضياع، ويجعلها محور الفيلم، من دون التطرّق إلى السياسة، لا مباشرة ولا غير مباشرة، والاكتفاء بأحاديث الشخصيات وقصصها؛ وتارةً يضع لقطة لبشار الأسد، بدت كأنها أُضيفت بلا مبرّر درامي، إذْ لم يُبنَ عليها مسبقاً في كلام الشخصيات، أو في نوعية اللقطات.

شكّل الفيلم مساحة للمشاهدين، بوقوفهم أمام الشخصيات والاستماع إلى شهاداتها، فرصة لإعادة النظر في معتقداتنا. كما يأخذ زاوية أخرى، تتجاوز غايته الأساسية في نقل قصص الحرب، لينطلق منها إلى أبعد مما تُظهره الكاميرا: إلى جرح المدينة وأهلها، الذي يحاول الالتحام بطريقة أو بأخرى.

"ذاكرتي مليئة بالأشباح" حالة توثيقية فنيّة مهمة، تبحر بنا إلى مدينة حمص، وتؤرّخ ما حلّ بها بعد الحرب، وتصوّر كيف يحاول أبناؤها، يومياً، خلق حياة يطمحون إليها. ورغم تساؤلات يتركها في زوايا إخراجية، لا يمكن التغافل عن قيمته الفنية والتوثيقية.

 

(*) في الدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع، التي تُنظّمها جمعية متروبوليس ـ بيروت، أقامت سينماتيك بيروت ورشة للنقد السينمائي في السينما المعاصرة، نتجت منها مقالات عدّة، منها ثلاث تنشرها "العربي الجديد"، للمساهمة في نشاطٍ ثقافي سينمائي شبابي. والورشة مُقامَة بإشراف حرمون حميّة والمنذر الدمني ومهدي عواضة، من فريق سينماتيك بيروت.

المساهمون