"دو يو لاف مي"... لبنانيون وبلادهم في بحث عن الحب

17 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 07:45 (توقيت القدس)
ذا بومبوكس، 1995 (فؤاد الخوري)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فيلم "دو يو لاف مي" (2025) للمخرجة لانا ضاهر يعكس الصراع اللبناني من خلال أرشيف سمعي-بصري يمتد لسبعين عاماً، مسلطاً الضوء على الذاكرة والهوية اللبنانية بعيداً عن التوثيق السياسي التقليدي.
- يعالج الفيلم العلاقة بين اللبنانيين وبلدهم باستخدام الأرشيف بدلاً من التصوير الجديد، مقدماً شهادة جماعية على تاريخ لبنان، مع التركيز على التفاعل مع الجمهور غير اللبناني.
- يُعرض الفيلم في لندن، حيث يتناول قضايا مثل انقسام بيروت واللغة الفرنسية، ويؤكد على أهمية السينما الأرشيفية في كتابة التاريخ خارج السرديات الرسمية.

يبدأ فيلم "دو يو لاف مي" (2025) بمشهد للبحر؛ أمواج تتلاطم بلا هدنة وحركة لا تعرف السكون، كأنها تختصر حال بلدٍ يتصادم أبناؤه بعضهم مع بعض منذ عقود. بعد لحظات، تتوالى صور القصف والدمار، ويعود الاجتياح الإسرائيلي إلى الشاشة بوصفه ذاكرة حيّة لا صورة بعيدة. هنا يضع الفيلم مشاهده منذ اللحظة الأولى أمام حقيقة بسيطة وقاسية: الحرب في لبنان لا تنتهي، بل تغيّر شكل حضورها فقط. إنها تعيش في الصور، وفي الأصوات، وفي الذاكرة التي ترفض أن تُطوى.

بهذا التدرّج البصري، تقدّم المخرجة لانا ضاهر، صانعة أفلام وفنانة متعددة الاختصاصات مقيمة في بيروت، درست الفنون الجميلة والتصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية في بيروت وصناعة الأفلام في جامعة غولدسميث في لندن، فيلم "دو يو لاف مي" بوصفه أول أفلامها الطويلة. وهو عمل أرشيفي مقالي يستند إلى التاريخ السمعي-البصري المتشظي للبنان.

يقوم الفيلم بالكامل على مواد أرشيفية تمتد على نحو سبعين عاماً من السينما والتلفزيون والفيديوهات المنزلية والتصوير الفوتوغرافي، لتتحول بيروت إلى محور سردي لا بوصفها مدينة فحسب، بل ذاكرة جماعية مثقلة بالفرح والألفة، كما بالدمار والفقدان.

في حديث ضاهر إلى "العربي الجديد"، تقول إن الفيلم انطلق من فكرة أكثر ضيقاً قبل توسّعه ليصبح محاولة لفهم الذاكرة والطفولة والهوية اللبنانية. فكّرت بداية في العمل على عائلة بندلي وأغنية "دو يو لاف مي" (Do You Love Me) لما تحمله من ارتباط شخصي بطفولتها في التسعينيات، بعد انتهاء الحرب الأهلية وعودة عائلتها إلى لبنان، وهي مرحلة تصفها بأنها كانت قاسية على طفلة في السابعة من عمرها. لكن سرعان ما تساءلت: لماذا هذه العائلة وحدها؟ لتقرّر أن يكون الفيلم أشمل، يتناول التجربة اللبنانية بما تحمله من صدمات ومواجع جماعية.

الصورة
ذكريات ضائعة
ذكريات ضائعة لـ آيلا حبري (2020)

ترى ضاهر أن عنوان الفيلم يعبّر عن علاقة ملتبسة مع بيروت ولبنان، وكأنه سؤال متبادل بينها وبين المكان: تسأل المدينة إن كانت لا تزال تحبها، فيما تبدو المدينة وكأنها تسأل أبناءها إن كانوا ما زالوا يحبونها رغم كل ما مرّوا به. وعن اختيارها العمل بالأرشيف بدل التصوير الجديد، توضح أن ذلك نابع من غياب توثيق منهجي للتاريخ اللبناني الحديث، إذ تتوقف كتب التاريخ عند منتصف القرن الماضي، فيما تُترك العقود اللاحقة خارج السرد الرسمي. لذلك لجأت إلى السينما والفن والأغاني، متعمّدة الابتعاد عن أصوات السياسيين، واستخدمت أرشيفاً واسعاً يضم مقاطع من 106 أفلام لبنانية روائية ووثائقية

وتؤكد أنها تعاملت بحذر شديد مع المادة الأرشيفية، فحذفت مشاهد صادمة للجثث والضحايا، معتبرة أن الفيلم يحمل عنفه الخاص من دون الحاجة إلى عرض هذه الصور. وترى أن لبنان لم يتمكّن بعد من تذكّر تاريخه بطريقة صحية، وأن هدف الفيلم إتاحة مساحة لشهادة جماعية على ما مرّ به البلد خلال ستة عقود، مشيرة إلى تأثّرها بتفاعل الجمهور، لا سيما غير اللبناني، إذ أرادت فيلماً يستطيع اللبناني أن يقدّمه للآخر ليقول له: "أنا من هذا المكان"، في تجربة يصعب شرحها بالكلمات، حيث تتجاور الحياة والموت بوصفهما وجهين لتجربة واحدة.

لا يسعى الفيلم إلى تقديم تاريخ خطّي أو رواية مكتملة، بل يعيد تركيب شظايا ذاكرة متشظية في بلد يفتقر إلى أرشيف وطني رسمي. ومن خلال أصوات مواطنين وصنّاع أفلام وفنانين، تصبح الصورة أداة مقاومة للنسيان ومساحة للتجدّد ووسيلة لحفظ ما لم يُدوَّن في السرديات الرسمية.

الصورة
همسات
من فيلم "همسات" لمارون بغدادي

في هذا السياق، بثت أول عروض الفيلم في لندن، تحديداً في معهد الفنون المعاصرة (ICA)، بحضور جمهور متنوّع إثنياً وثقافياً امتلأت به صالة السينما بالكامل. بدا التفاعل واضحاً؛ ضحكات خافتة في لحظات من الكوميديا السوداء، قبل أن يخيم الصمت فجأة مع مشاهد القذائف والدمار. تفاعل متقلّب عكس قدرة العمل على التنقّل بين المفارقة والألم من دون افتعال أو خطاب مباشر.

يتوقّف الفيلم عند انقسام بيروت إلى شرقية وغربية، وما رافقه من مخاوف متبادلة: خوف المسيحيين من العبور إلى الجهة الغربية وخوف المسلمين من التوجّه إلى الشرقية. في أحد المقاطع اللافتة، يتحدّث أحد سكان المدينة عن الألفة بين المسيحيين والمسلمين مؤكداً أنهم عاشوا معاً بسلام ومحبة، ثم يتوقف، ليأتيه سؤال مباشر: "هل تقول الحقيقة؟". يضحك ضحكة قصيرة تفتح مسافة من التردّد حول الرواية المطروحة، وتوحي بأن الصورة التي رُسمت قد تكون أكثر تعقيداً مما قيل أو أقل اطمئناناً مما بدا في البداية.

تحضر اللغة الفرنسية في الحياة اليومية للبنانيين بوصفها أثراً باقياً من زمن الانتداب، وكأنها بقايا استعمار لم تُمحَ بالكامل من الذاكرة. في المقابل، يبدو التاريخ الرسمي، كما يُدرّس في الكتب المدرسية، متوقفاً عند لحظة جلاء الجيش الفرنسي، فيما يغيب أي توثيق منهجي لما جرى بعد ذلك، كأن العقود اللاحقة تُركت خارج السرد أو كأن الذاكرة توقفت عند حدّ سياسي معيّن ولم يُسمح لها بتجاوزه.

ومن أكثر مشاهد الفيلم قسوة وتأثيراً رواية أستاذ جامعي كان يحاول الوصول إلى منزله في بلونة قبل أن يُوقَف عند أحد الحواجز العسكرية ويُتَّهم بالانتماء إلى "الطرف الآخر" ويُحكم عليه بالتصفية. يروي الرجل أن نجاته لم تكن نتيجة موقف بطولي، بل محض مصادفة: شاب كان أحد طلابه تعرّف إليه واندفع نحو المسلحين ليقول لهم: "هذا أستاذي، لا علاقة له بشيء". عندها فقط نجا.

ويعلّق الأستاذ بمرارة أنه لو قُتل لكان مجرد رقم جديد يُضاف إلى آلاف الشباب الذين "استشهدوا من أجل هذا الوطن"، قبل أن يتساءل: "لماذا ينبغي أن يُقتل شبابنا كي يبقى الوطن؟". سؤال ينسف الخطاب البطولي للحرب ويعيد الضحية إلى فردانيتها الإنسانية بدل اختزالها في شعارات.

يعالج الفيلم العلاقة الملتبسة بين اللبنانيين وبلدهم بوصفها سؤال حب

ورغم ثقل الدمار، لا يخلو الفيلم من مشاهد الأعراس، كأن الحياة تصرّ على الظهور وسط الركام. تحضر فيروز، ولو في لقطة عابرة، كما يحضر ملحم بركات بوصفهما جزءاً من ذاكرة صوتية لا تنفصل عن التجربة اللبنانية. إلى جانب ذلك، تظهر مشاهد المطار وقرارات مغادرة البلاد القاسية التي شكّلت فصلاً مؤلماً في سيرة جيل كامل.

يستعيد الفيلم الذاكرة الجماعية التي لا يمكن محوها: دوي القذائف، النوم في الملاجئ، فقدان الأحبّة، والخوف الذي انتقل إلى الأطفال لا عبر ما شاهدوه فقط، بل عبر توتر أمهاتهم وملامح وجوههم. هنا يصبح الحديث عن النسيان مستحيلاً؛ فلا يمكن طيّ الصفحة، بل لا بد من التعامل مع هذه الذاكرة بطرق أخرى أقل عنفاً وأكثر صدقاً.

يذهب العمل أبعد من ذلك في مقاربته لمسألة الذاكرة، عبر التوقف عند مشهد لافت يتناول كيف تحولت الحرب في لبنان، في مرحلة ما، إلى عامل جذب سياحي، حيث قصد زوّار أجانب البلاد لمشاهدة الدمار عن قرب.

يُنظر إلى إصلاح المباني المتضررة لدى بعض الأصوات بوصفه فعل طمس للذاكرة

في المقابل، يطرح الفيلم جدلاً حول إعادة الإعمار والترميم، إذ يُنظر إلى إصلاح المباني المتضررة لدى بعض الأصوات بوصفه فعل طمس للذاكرة، بحجة أن الترميم قد يمنع اللبنانيين من تذكّر مواجع الحرب. غير أن أحد المتحدثين يفكّك هذا المنطق مؤكداً أن الذاكرة لا تُمحى بالترميم ولا تحتاج إلى مبانٍ مثقوبة بطلقات الرصاص كي تبقى حيّة. حفظ الذاكرة لا يعني تجميد الألم في الحجر، بل إيجاد طرق أخرى للتعامل معه من دون تحويله إلى مشهد دائم للخراب.

هذا النقاش حول الذاكرة لا يقتصر على لبنان وحده، بل يأتي عرض الفيلم في لندن ضمن سياق اهتمام متزايد لدى مؤسسات ثقافية أوروبية بالسينما الأرشيفية القادمة من المنطقة بوصفها شكلاً بديلاً لكتابة التاريخ خارج السرديات الرسمية. اهتمام يتقاطع مع أسئلة أعمق تتعلق بالذاكرة وبمن يملك حق حفظها وتفسيرها، لا سيما في مجتمعات لم تُدوَّن تواريخها الحديثة في أرشيفات وطنية جامعة.

في المحصلة، لا يبدو "دو يو لاف مي" مجرد رسالة حب إلى بيروت، بل محاولة لمساءلة الذاكرة نفسها. فيلم يعيد فتح الجروح من دون ادعاء معالجتها، ويذكّر بأن الماضي في لبنان لا يُمحى ولا يُطوى، بل يعيش في الصور والأصوات وفي تلك اللحظات الصغيرة التي تختصر تاريخاً كاملاً من الفقد والحنين معاً، حتى ولو كانت مجرد لحظة انقطاع الكهرباء.