خمس ساعات ترسم سيرة "مستر سكورسيزي"

18 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 08:24 (توقيت القدس)
سكورسيزي في موقع تصوير فيلمه "عصر البراءة"، يناير 1993 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستعرض الوثائقي حياة المخرج مارتن سكورسيزي، مركّزاً على طفولته وعلاقاته ومسيرته السينمائية، مع تسليط الضوء على النجاحات والإخفاقات التي واجهها.
- يعتمد العمل على مقابلات مع شخصيات بارزة مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو، ويحلل أفلام سكورسيزي وتأثيرها الثقافي، مبرزاً أسلوبه السينمائي غير التقليدي.
- في النهاية، يظهر سكورسيزي في مرحلة نضج، حيث يناقش الوثائقي معركته مع جوائز الأوسكار وصناعة هوليوود، مقدماً رؤية شاملة لحياته وأعماله.

قد يبدو هذا الوثائقي، المؤلف من خمسة أجزاء تمتد لنحو خمس ساعات، عن حياة مارتن سكورسيزي ومسيرته، وافياً أو حتى كافياً لمعظم مُحبّي السينما. لكن بالنسبة لمن تابع مسيرته منذ بدايتها، هو قليل. فالرجل يزخر بعشرات الأفلام والقصص والحكايات والأفكار والتجارب التي لا يمكن أن يُنصفها عمل وثائقي واحد، مهما كان طموحه. لكن هذا هو دور الكتب والمقابلات والسير الذاتية وآلاف التحليلات المنتشرة حول العالم لأعماله. لا يمكن لـ"مستر سكورسيزي" أن يكون كلّ شيء، لكنه يحاول أن يحقق هدفه: رسم صورة كاملة وذكية، بل وجريئة، لحياة وعمل أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما.

لا تحاول ريبيكا ميلر، مخرجة الوثائقي، إعادة ابتكار هذا النوع السينمائي، بل تفعل العكس تماماً. تغوص عميقاً في أرشيف سكورسيزي، بدءاً من طفولته وعائلته وأصدقائه وتحركاته وصحته (إذ كان مصاباً بالربو، وحبّه للسينما نبع أساساً من عجزه عن ممارسة النشاط البدني)، وصولاً إلى مسيرته الطويلة والمكثفة، الحافلة بالصعود والهبوط، بالنجاحات والإخفاقات، وبالتقلبات التي صنعت شخصيته الإبداعية. إنها أيضاً رحلة شخصية في أكثر جوانب حياته تعقيداً: علاقاته الزوجية العاصفة، ودوره كأب، وإدمانه للمخدرات، ومغازلته للعنف، والشعور بالذنب الذي يرافقه في كل ذلك. يحظى سكورسيزي هنا بمعالجة صادقة تشبه صدق أفلامه، معالجة لا تخفي جوانبها المظلمة ولا تمنح المتفرج كل شيء، بل تستكشف عالم التناقضات الذي تمثله سينماه؛ المساحة التي يجسد فيها توتراته الشخصية والفكرية.

يتضمن الوثائقي مقابلات حالية وأرشيفية مع أبرز شركائه ومعاونيه الدائمين: روبرت دي نيرو، ثيلما شونماكر، ليوناردو دي كابريو، بول شرايدر، نيكولاس بيليجي، جاي كوكس، دانيال داي لويس، إلى جانب أصدقاء المخرج أو المعجبين به مثل ستيفن سبيلبرغ، برايان دي بالما، آري أستر، سبايك لي، الأخوين صفدي، وممثلين عملوا معه مثل جو بيتشي وشارون ستون، وآخرين كثيرين. أما الأبرز بينهم فهم أصدقاء مارتي في طفولته ومراهقته، الذين يبدون وكأنهم خرجوا مباشرة من أحد أفلامه عن العصابات.

يتناول الوثائقي تقريباً جميع أفلامه (باستثناء بعض أعماله الوثائقية الحديثة وهوغو)، مع تركيز خاص على أبرزها وتحليلها بعمق سينمائي يضعها في سياق عصرها الهوليوودي، ويستعرض علاقتها بلحظتها التاريخية وموقعها في تطور السينما. إنّها ملحمة من الشدائد والتوترات والصراعات مع الاستوديوهات، ومن اللقاءات والشغف والجدل الدائم. بفضل نوع السينما "غير المبتذلة" الذي يقدمه، كانت أفلام سكورسيزي دوماً في قلب الفوضى الثقافية: من "سائق التاكسي" إلى "ذئب وول ستريت"، مروراً بـ"ملك الكوميديا" و"الأولاد الطيبون" و"كازينو"، وصولاً إلى أكثرها جدلاً "الإغواء الأخير للمسيح". أفلامه جماهيرية، لكنها ليست سهلة، ولا تناسب ضعاف القلوب أو من يبحثون عن إجابات جاهزة حول الخير والشر. فسكورسيزي سبق بوعيه ظواهر ثقافية ما تزال حاضرة اليوم، إذ يعجّ العالم الآن بـ"مقلدين محتملين" لشخصياته مثل ترافيس بيكل وروبرت بمبكن وجوردان بيلفورت، أولئك الذين تبنّوا عوالمه وشخصياته وأعادوا إنتاجها في واقعهم. المشكلة أن سكورسيزي لا يصدر أحكاماً ولا يدين أحداً، بل يثق بذكاء المتفرج. وهناك دائماً من يفهم الأمور على طريقته الخاصة.

رسم سكورسيزي ذلك الوجه الآخر للثقافة الأميركية: مزيج القديسين والخطاة. لقد غيّر أسلوب صناعة الأفلام في بلاده باستخدامه المبتكر للمونتاج والموسيقى وحركة الكاميرا، مقارباً الواقع بينما يحلّق نحو أصفى فضاءات الدين والتصوف، في محاولة مستمرة منذ ستة عقود لفهم كيف يعمل البشر في عالم معقد مليء بالإغراءات والمناطق الرمادية.

سينما ودراما
التحديثات الحية

في الحلقة الأخيرة، التي تتناول سينما سكورسيزي في هذا القرن، نرى الرجل في أكثر مراحله هدوءاً ونضجاً: مارتن الذي يعتني بزوجته المصابة بمرض باركنسون، ويظهر على وسائل التواصل الاجتماعي مع ابنته، وقد تحوّل إلى معلّم سينمائي بشعر أبيض وحاجبين ناصعين. لكنه لم يكن دوماً كذلك. فالفرق بين "شوارع قذرة" و"الأيرلندي" يشبه الفرق بين مارتن المتهور ابن "ليتل إيتالي" في السبعينيات والرجل العجوز المتصالح مع ذاته اليوم.

يناقش الوثائقي معركته شبه الخاسرة مع جوائز أوسكار، وقسوة صناعة هوليوود، وهوسه بالتفاصيل، وكماليته المتطرفة، والمواضيع المتكررة التي تناولها في معظم أفلامه. سيتجاوز الوثائقي شغفه بالسينما والتحليلات النقدية المعقدة، لكنه يقدم -بصفته وثائقياً شاملاً عن مخرج امتدت مسيرته لستة عقود- عملاً استثنائياً بكل معنى الكلمة. سيتمكن المعجبون الجدد من إشباع فضولهم واكتشاف أفلامه التي لم يشاهدوها بعد، أما أولئك الذين يظنون أنهم رأوا وقرأوا كل شيء عنه، فسيكتشفون تفاصيل صغيرة جديدة. وفي النهاية، يبقى هذا العمل ألبوماً عائلياً حميماً لمارتن سكورسيزي، نشعر، بطريقة أو بأخرى، أننا جزء منه.