"خطيئة تاكوبي الأصلية": التنمّر والانتحار وأطفال سايكوباثيون
استمع إلى الملخص
- التنمر والضغوط الاجتماعية: يُبرز الأنمي قضايا التنمر والإهمال الأسري كعوامل تؤدي إلى الأزمات النفسية والانتحار بين الأطفال، مما يعكس الواقع القاسي الذي يعيشه بعض الأطفال في اليابان.
- التقييم والنقد: رغم شعبيته، تعرض الأنمي للنقد بسبب ضعف بناء الشخصيات وعدم منطقية الأحداث، مما يجعله يعتمد على الصدمة والإثارة دون تقديم نهايات مرضية.
خلال وقت قياسي صعد أنمي "خطيئة تاكوبي الأصلية" (Takopi's Original Sin) إلى قمة التقييمات العالمية للأنمي، ليصل إلى 9.1 على IMDb. أعمال كثيرة وصلت إلى أرقام كهذه، بعضها ينخفض درجة فقط بعد مرور الوقت، وبعضها الآخر يكون شرارة سريعة الاشتعال، لينطفئ بعدها بالسرعة التي اشتهر فيها، وربما هذا ما سيكون عليه حال "خطيئة تاكوبي الأصلية".
يبدأ الأنمي برسومات زهرية؛ فنرى الفضائي تاكوبي، وهو مخلوق يشبه الأخطبوط، في مهمة لنشر السعادة على الأرض. يلتقي تاكوبي الطفلة شيزوكا كوزي، ذات التسعة أعوام، التي تعاني من تنمر مستمر وإهمال أسري. يحاول تاكوبي إسعادها بأدوات بسيطة، إحداها شريط سحري للتصالح مع الأصدقاء، لكن شيزوكا تستخدمه لشنق نفسها، لتكون هذه اللحظة الصادمة الأولى في الأنمي، ومواجهة تاكوبي الأولى مع الموت، وهو الكائن الذي لا يعرف شيئاً عن هذا العالم؛ إذ استُخدمت إحدى أدوات السعادة الخاصة به للانتحار. يلجأ تاكوبي إلى أداة أخرى للعودة بالزمن إلى الوراء. لكن محاولاته لتغيير المصير تقوده إلى مآسٍ أعمق: يقتل بالخطأ المتنمّرة مارينا، ويخفي الجثة بمساعدة زميله ناوكي، بينما تتكشف أمامه الحقائق المظلمة عن البيوت المحطمة لكل من شيزوكا ومارينا وناوكي. في الحلقتين الأخيرتين: الخامسة والسادسة، نكتشف رحلة زمنية أخرى، تتقاطع مع رحلته مع شيزوكا، إذ كان في الماضي يرافق مارينا، وهي الشخص الذي أدى إلى انتحار شيزوكا، وفي تلك الرحلة، نرى منظوراً آخر. في النهاية، كلتا الفتاتين سيئتين سايكوباثياً، وكل المحاولات تحتم دمار إحداهما، وبينهما صبي يتورط بالخطأ.
وضع صناع الأنمي أمام المشاهد تحذيراً واضحاً في بداية كل حلقة، عن أن الأنمي يحوي مشاهد انتحار، وقسوة قد لا يحتملها بعضهم. خفف هذا من وقع الصدمة التي قد تنتج عن بداية فيها مخلوق كاوايي (وهو مصطلح ثقافي ياباني بمعنى cute لكنه أوسع) تنتهي بمشاهد دموية وشخصيات طفولية بالغة القسوة.
التنمر هو المحور أساسي للأحداث. من الإهانات في الصف إلى الاعتداء الجسدي، تُعرض قسوة زملاء شيزوكا بلا تلطيف. يوضح العمل أن التنمر يتفاقم بسبب الإهمال الأسري: مارينا، المتنمّرة الرئيسية، ضحية سوء معاملة والدتها التي تعاني من خيانة زوجها؛ وشيزوكا تجد عزاءها في كلبها لغياب الدعم الأسري؛ وناوكي ينهار تحت ضغط المقارنات القاسية من والدته. هذه الدائرة المغلقة من القسوة تُجسِّد، بكثافة، صورة اليابان التي يتجاور فيها وجه الكاوايي البريء مع واقع من الضغط الاجتماعي والانعزال النفسي.
يعكس "خطيئة تاكوبي الأصلية" التوترات الثقافية في اليابان. فمن جهة، تمثل ثقافة الكاواي، من خلال كوكب السعادة وتصميم تاكوبي المستدير، الثقافة الطفولية للكاوايي، مثل هيلو كيتي وهي المثال الأبرز على هذه الثقافة، وأدوات السعادة والمنتجات المذهلة الطفولية، وكل الإنتاج الثقافي للكاوايي الذي وصل إلى كل العالم. لكن إلى جانب هذا، فإن الضغوط في اليابان تصل إلى حدود غير قابلة للسيطرة عليها، من الموت نتيجة كثرة العمل، والانسحاب النفسي، وانتحار الأطفال، وهو ما يظهره هذا العمل. عام 2024، سُجّل انتحار 527 طالباً من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وهو أعلى رقم منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 1980. ورغم أن المعدل العام للانتحار انخفض قليلاً في تلك السنة (إلى 16.3 لكل 100 ألف)، يبقى الانتحار السبب الأول للوفاة بين الفئة العمرية 10 و19 عاماً. ثقافياً وواقعياً، يظهر الأنمي التضارب الصارخ في الثقافة اليابانية التي تروج السعادة، وتنتج أفراداً مدمرين.
تبقى المشكلة في كيفية معالجة كل هذا؛ ست حلقات تكثف التنمر، والانتحار، والقتل، وانعدام الضمير، وأطفال سايكوباثيين. عُرض كل هذا بما يثير الصدمة عبر الانتقال من اللطافة الشديدة إلى الدموية الشديدة في حلقة واحدة، وإظهار الضحية كجانية، والعكس، بسرعة شديدة، هو في الحقيقة ما أنجح الأنمي، الصدمة والكاوايي في الوقت ذاته، لكنه ما يجعله ضعيفاً في الوقت نفسه.
حصد "خطيئة تاكوبي الأصلية" شعبية عالية بفضل وصفة الصدمة واللعب على مشاعر الخوف والبارانويا، لكنه فشل في صناعة الشخصيات. رأينا عائلات الأبطال الثلاثة، لكنّ تصاعد المشاعر حتى هذا الحد، لم يبن جيداً، ولا تكفي الخلفية الأسرية لتبرير أفعال الشخصيات، خصوصاً الشروع بالقتل وانعدام الضمير والخوف لدى الفتاتين. نحن نرى أطفالاً دون العاشرة من العمر، نصدم منهم ليس لأن أجواء العمل كاوايي، بل لأن الشخصيات فارغة ويمكن إلصاق أي فعل بها من دون أن تتناقض، لأنها لا تمتلك شخصية متكاملة من الأساس. الفعل الوحيد الذي كان منطقياً هو الانتحار نتيجة التنمر.
في عمل مشابه تقريباً، قدم أنمي Erased تجربة شبيهة عن العنف والإهمال الأسري، ومحاولة الإنقاذ، مع استخدام العودة في الزمن أيضاً، لكن Erased، الذي صدر عام 2016، استطاع بناء العالم والشخصيات منطقياً. لم تكن نهايته سعيدة تماماً، لكنها منطقية، كان على أحد ما أن يخسر. أما "خطيئة تاكوبي الأصلية" فإن نهايته، التي قامت أيضاً على التضحية، بدت مجرد محاولة إرضاء وبعض من الأمل، لكنه أمل خيالي، يفتقر إلى أي منطق، ويعتمد على الحلم.
هذا بالضبط ما جعل من "خطيئة تاكوبي الأصلية" مسلسلاً قصيراً جداً من ست حلقات، بدلاً من فيلم سينمائي، فالفيلم سيفسد في هذا المنطق، من دون انتظار الصدمة المقبلة في الأسبوع التالي، أي السرد المتسلسل كل أسبوع هو الذي جعل من هذا التخبط مقبولاً، معتمداً على التشويق الذي لا يمنح وقتاً للتأمل، إنما للمشاعر المفرطة فقط. في النهاية، ما يجعل الأنمي ناجحاً هو رضا الجمهور، وهذا ما تحقق فعلاً، لكن هل سيستمر هذا بعد عشر سنوات مثل Erased؟ هذا أمر مستبعد.