خطأ في المهنة لا يُعتَرَف به

02 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:57 (توقيت القدس)
توم كروز: نجم يوفّر أرباحاً واسمه يلحق اسم المخرج (مانويل فيلاسكيز/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في الصحافة المصرية والعربية، يتم التركيز على نجوم الفيلم بدلاً من المخرج أو كاتب السيناريو، مما يعزز شهرة النجوم على حساب المبدعين الحقيقيين.
- المنتجون التجاريون يركزون على النجوم لجذب الجماهير، بينما يعتمد الإنجاز السينمائي الحقيقي على رؤية المخرج، كما هو الحال في السينما الغربية.
- هناك نقص في المعلومات المقدمة عن المهرجانات السينمائية في الصحافة العربية، مما يحرم القارئ من معلومات مفيدة ويؤثر على فهم الصناعة السينمائية.

لا يزال الخطأ المهني شائعاً: هناك إصرارٌ غريب على إلحاق عنوان الفيلم المصري تحديداً، في كلّ كتابة صحافية ونقدية مصرية، بأسماء "نجومه"، قبل إضافة اسم المخرج/المخرجة، فكاتب/كاتبة السيناريو، وأحياناً اسم المنتج/المنتجة.

هذا يحصل في صحافة مصرية وعربية، والتعميم مصري أساساً، يلتزمه، بوعي أو من دونه، نقّاد لهم/لهنّ في المهنة سنين مديدة، ولا أحد ينتبه أو يكترث، فيُصحّح الخطأ في كتاباته، النقدية والصحافية، فالفيلم يصنعه المخرج أولاً، وأياً تكن شهرة "نجومه" جماهيرية واسعة، يجب ألاّ يساهم النقّاد في تعميم نجومية، معظمها مخادع.

معروفٌ أنّ للمنتج (الإنتاج الفني مهنة شبه منقرضة في السينما المصرية، وفي سينمات عربية مختلفة) دوراً أساسياً في تحويل المشروع المكتوب إلى فيلمٍ، وهذا وحده كافٍ لهذا الخطأ، فالمنتج "التجاري" مهموم بنجومٍ فقط على حساب كلّ شيء وكل أحد. لكنّ المنجز الأساسي مرهون برؤية المخرج/المخرجة، خاصة إنْ يكن أحدهما كاتبه، وبعض المخرجين والمخرجات، في السينما الغربية مثلاً، يُشارك في الإنتاج أيضاً. أمّا الممثل/الممثلة، فحضورهما محصورٌ بتأدية دور سينمائي، لا شكّ في أنّ البراعة المهنية والحرفية الإبداعية مطلوبتان جداً، لإضفاء مزيدٍ من السحر والجاذبية والمصداقية على الشخصية السينمائية، وعلى دورها وسلوكها وعلاقاتها وانفعالاتها. ورغم أنّ ممثلين وممثلات غربيين يُشاركون، هم أيضاً، في الإنتاج أحياناً، يبقى المُنجز السينمائي صنيع مخرجه/مخرجته أولاً وأساساً.

غربياً، هناك نجوم كثيرون وكثيرات يُعتَمد عليهم/عليهن في توفير أرباحٍ، طائلة أحياناً. توم كروز نموذجٌ، فهو غير مكتفٍ بالتمثيل، لكونه منتجاً يُشارك في إنتاج أفلامٍ يؤدّي فيها أدواراً أولى. "الأرقام" (The Numbers، موقع إلكتروني أميركي ينشر يومياً إيرادات الأفلام في العالم، ويوثّق معلومات متعلّقة بهذا الجانب من الصناعة السينمائية الأجنبية) يذكر أنّه، ممثلاً أدواراً رئيسياً في 41 فيلماً، "يُحقِّق" إيرادات عالمية تبلغ 11 ملياراً و101 مليون و572 ألفاً و223 دولاراً أميركياً، علماً أنّ أفلاماً له غير "مهمة: مستحيلة" و"توب غان" (الأكثر توفيراً للإيرادات تلك)، تُعتبر من أهمّ الإنجازات السينمائية، كـ"لون المال" (1986) لمارتن سكورسيزي، و"رجل المطر" (1988) لباري ليفنسون، و"مولود في الرابع من يوليو" (1989) لأوليفر ستون، و"تقرير الأقلية" (Minority Report) لستيفن سبيلبيرغ (2002)، الذي يتعاون معه مجدّداً في "حرب العوالم" (2005)، و"أسود في ملابس حملان" (ترجمة غير حرفية لـ Lions For Lambs) لروبرت ريدفورد (2007)، وغيرها. رغم هذا كلّه، يُذكر اسمه بعد اسم مخرج/مخرجة الفيلم.

سيُظنّ أنّ كتابة، نقدية وصحافية، عن إهمال ذكر اسم المخرج/المخرجة بعد عنوان الفيلم، غير مهمّ تناولها في مقالة، تبغي الإضاءة على مسائل كهذه، لأنّها (المسائل) تعكس نمطاً متداولاً في النقد والصحافة، ينبثق (النمط) من تربية متوارثة وسلوك جماعي، وهوس قاتل بالنجوم، فالنجوم، كما يرى عاملون وعاملات في صناعة السينما المصرية والعربية، "عماد" الفيلم، وعامل جاذب لـ"الجماهير" إلى الصالات. رغم أنّ هذا صحيح، في سينما تجارية استهلاكية تحديداً، تريد ربحاً يوفّره نجوم شعبيون عادة (أحياناً، يعجز نجوم كثيرون عن توفير أرباح، لأسباب عدّة، منها رداء الصنيع البصري، كتابة ومعالجة وأداء وإخراجاً)، يجب اعتماد التسلسل المنطقي في ذكر المعلومات، في كتابة نقدية وصحافية، وفي تقارير وبرامج تلفزيونية معنية بالسينما: عنوان الفيلم، يليه تاريخ الإنتاج، فاسم المخرج/المخرجة، علماً أنّ الصحافة النقدية السينمائية، الأوروبية والأميركية، تذكر تاريخ الإنتاج مباشرة بعد اسم المخرج.

هذا ينسحب على مسألة أخرى، شبيهة: إغفال معلومات عن المهرجانات السينمائية، التي يُكتب عنها في صحافة عربية، لا مصرية فقط، إذْ يكتفي كثيرون وكثيرات من زملاء المهنة وزميلاتها باسم المهرجان فقط، مع إشارة إلى "دورته الأخيرة". ألا يحقّ للقارئ/القارئة معرفة رقم الدورة وتاريخ تنظيمها؟ معلومات كهذه مفيدة، على نقيض ما يُظَنّ عادة.

لكن، من يقرأ وينتبه؟ يبدو أنّ هناك استحالة في قراءة هذا، والتنبّه إلى الخطأ، الذي يُظَنّ أنّه ليس خطأ.

المساهمون