خارج الكادر داخل السينما: مشهدٌ لبناني يتفوّق على خيال الصورة

15 يناير 2021
الصورة
بيروت 2021: شارعٌ يخلو من جمالية المتخيّل (أنور عمرو/ فرانس برس)
+ الخط -

 

إنّه اليوم الأخير قبل الإقفال العام والتام والشامل، الذي سيعيشه البلد (لبنان) برمّته، بين 14 و25 يناير/ كانون الثاني 2021. مفردة "برمّته" مشكوكٌ بها. الاستثناءات، المرتبطة بالطائفي والسياسي والاقتصادي النافذ والحاكم، يصنعها أمراء حربٍ مؤجّلة، وسلمٍ أهليّ هشّ. هذه لا يُعلى عليها إطلاقاً.

يُفترض بالإقفال الجديد أنْ يكون قاسياً. أنْ يصنع فرقاً. أنْ يُخفِّف من سطوة وباء (كورونا) وبطش نظامٍ. أنْ يُعِين على إعادة تنظيم أمورٍ، يجب تنظيمها في إدارة أزمة، موصوفة بالأسوأ في تاريخ البلد. أزمة اقتصادية وسياسية ومالية، تسبق أزمة صحّة وترافقها. هذا كلّه ينعكس سلباً على الاجتماع والحياة اليومية. لكنّ السؤال الأبرز معروفٌ: هل الإقفال العام والتام والشامل، إنْ يُطبَّق فعلياً، سيصنع فرقاً؟

إنّه اليوم الأخير قبل الإقفال. حشودٌ في متاجر كبيرة ومحلات صغيرة وصيدليات، وفي شوارع عدّة أيضاً. أناسٌ يرتعبون إزاء نقصٍ ربما يحصل في حاجاتهم، فيتناسون أنّ الأزمة تحتاج إلى حراكٍ يبلغ مرتبة انتفاضةٍ حقيقية، ولا بأس بثورة، فالخراب متفشٍّ، وتفشّيه يتساوى بسوئه وتفشّي الوباء العالميّ. اليوم الأخير مُخيفٌ، رغم تكراره في الأشهر الماضية. هلعٌ يُصيب كثيرين، وسلطة تبتهج لهلعٍ كهذا، لإدراكها أنّ الأزمة، مهمّا تقوى وتزداد، لن تحرِّك في أناسٍ يهلعون أيَّ ساكنٍ ضد السلطة صانعة الأزمة، وضد أزمة يُراد لها استمرار، لتأمين مصالح ضيّقة وسطوة أكيدة.

لليوم الأخير هذا سينمائيّتُه. أعجزُ عن تذكّر لقطات ومَشاهِد تُشبهه. لكنّ المناخ سينمائي، كأنّ الحاصلَ فيلمٌ تتداخل فيه أنواعٌ وأساليب وأمزجة، يُفبركها صنّاع مآسٍ وهواة تنكيل ومحترفو عنفٍ متنوّع. يُذكّرني هذا ببداية كورونا، وبأول تعبئة عامة. يمرّ بي شابٌ. ينظر إليّ ويقول: "كأنّنا في فيلمٍ"، ثم يمضي منكّساً رأسه من دون تبيان ملامح وجهه بعد قوله هذا. تمرّ أشهرٌ طويلة. إقفال ولا إقفال. تعبئة ولا تعبئة. ثم انهيار يُضاف إلى انهياراتٍ، وإدارة الأزمة الصحّية تنحدر إلى أسفلِ درَكٍ ممكن، والأزمات الأخرى أشنع من أنْ تُصوِّرها كاميرا، أياً يكن نوعها الحديث.

 

 

سيُغلق البلد، لكنّ الاستثناءات معروفة: هناك مدنٌ لبنانية عصيّةٌ على نظامٍ، رغم بطش النظام وعنفه في مدنٍ أخرى. كثيرون يرفضون كلّ وقاية، وينفضّون عن كلّ حذرٍ. الحجج لا تُعدّ ولا تُحصى. التبريرات أخطر من الوباء والأزمة، لأنّ قائلين بها يتغاضون عن جوهر المشكلة: النظام الحاكم موبوء، وعليه الرحيل فوراً، وإنْ يصعب تشكيل بلدٍ في أمدٍ قريب، وإنْ يستحيل كتابة عقد اجتماعي عصريّ جديد في وقتٍ قليل. الإقفال العام والتام والشامل غير نافعٍ، رغم إمكانية تخفيفه أرقاماً تتصاعد في الإصابات والوفاة (والإمكانية غير مؤكّدة كلّياً)، مقابل انهيار كلّ شيء.

التجوّل في شوارع المدينة، في الساعات الأخيرة من اليوم السابق على بدء الإقفال، يُثير قلقاً إضافياً. المفردات غير متمكّنة من وصف دقيق للمشهد. التصوير أعجز من أنْ يكشف وقائع ما يحصل. التسجيل أوهن من توثيق انفعالٍ أو مواجع أو تخبّطات أو استسلامٍ لصمتٍ ويأس، أو لأنانية وذاتية مفرطتين في التقوقع في الحيّز الضيّق للفرد.

أسأل: أيُمكن لسينمائيّ أنْ يصنع ما يؤرّخ خراب بلد وشعب، أصدق من الخراب الحاصل واقعياً؟ أيكفي التجوّل لاكتشاف موتٍ يتنزّه في الأمكنة والفضاءات والنفوس؟ أتحتاج الكاميرا إلى مخيّلةٍ لإنجازٍ سينمائيّ، يُظنّ أنّه قادرٌ على التقاط تلك اللحظة الأبشع في تاريخ بلدٍ، يحتفل بمئة عامٍ على تأسيسه (1 سبتمبر/ أيلول 2020)، مع أنّ الإيجابيّ في المئة عامٍ هذه نادرٌ إنْ لم يكن مضمحلّاً، إنْ يكن هناك إيجابي ما؟ أي فيلمٍ سيتحقّق بعد انحسار الأزمات، أو انحسار أزمة واحدة على الأقلّ؟ ألن تكون أفلامٌ عدّة ـ سابقة على اندلاع أزمة الاقتصاد والمال، وأزمة كورونا، وأزمة النظام، وأزمة الشعب ـ تقديماً حاداً وجميلاً ومهمّاً لأوبئة تفتك بالبلد وناسه، منذ أكذوبة النهاية الملتبسة للحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) على الأقلّ؟ ألن تكون كتابات وتحليلات وأقوال، وإنْ يكن عددها قليلاً، تنبيهاً إلى حاصلٍ في راهنٍ مُثقل بألف وباء وخيبة وموتٍ، قبل أنْ يحصل؟

الأيام القليلة الأولى من عام 2021 تُنذر بالأبشع والأقسى والأسوأ. التفاصيل اليومية مُصابة بتخبّط وخلل وانكسار، وأصولها متجذّرة في أعومٍ لاحقة على تلك النهاية الملتبسة للحرب الأهلية اللبنانية.

أسأل: أي فيلمٍ لبناني سيُشاهَد بعد انتهاء الحاصل في راهنٍ يحتضر؟ أي نوعٍ سينمائي سيُصنع، وأي أداء سيُقدَّم، وأي صُوَر ستُبثّ، وأي اختبارات ستُعاش؟ اليوم السابق على بدء الإقفال التام والعام والشامل، إنْ يتحقّق إقفالٌ كهذا وإنْ يُحقِّق إقفالٌ كهذا المُراد منه، يُشبه شريطاً بالأسود والأبيض، من دون أنْ يكون له رونق الأسود والأبيض في سينما قديمة. شريطٌ يقول بصمتٍ كم أنّ البلد معطوبٌ، وكم أنّ ناس البلد مهمومون بكلّ ما يُناقض عيشاً طبيعياً.

اليوم الأخير هذا: ألن يكون مجرّد مشهدٍ لبناني مزرٍ، يتفوّق على خيال الصورة؟

المساهمون