استمع إلى الملخص
- يروي المسلسل قصة المخرج ديفيد هوارد وتجربته مع الطلاق وانتقاله إلى استوكهولم، حيث تتطور الأحداث لتستكشف التفاعل العاطفي والصراع بين الشخصيات، مع التركيز على الغيرة والرغبة والروابط الأسرية.
- يتميز المسلسل بإخراج متقن يعيد إحياء سبعينيات القرن الماضي، ويقدم رؤية معاصرة لعالم بيرغمان، مما يعيد قراءة خيانة بيرغمان الأولى كرحلة في هشاشة الإنسان.
هل يمكن تحويل أعمال المخرج السويدي الشهير إنغمار بيرغمان إلى مسلسل؟ سبق لشبكة إتش بي أو التلفزيونية الأميركية أن فعلت ذلك بنجاح قبل أربع سنوات، مع إعادة تقديم الفيلم الكلاسيكي "مشاهد من زواج".
قبل أكثر من عشرين عاماً، تواصل المخرج السويدي الشاب آنذاك، توماس ألفريدسون، المعروف عالمياً بفيلمه "سمكري، خيّاط، جندي، جاسوس" مع بيرغمان، سائلاً إياه إن كان بالإمكان تحويل سيناريو فيلمه "خائن" إلى مسلسل. وجد ألفريدسون في هذا الشكل فرصة لتوسيع فضاء الشخصيات والقصّة، لكن بيرغمان (1918-2007) الذي كان قد اعتزل السينما بعد "فاني وألكسندر" (1982) وتفرّغ للمسرح والتلفزيون العام السويدي، لم يبدُ متحمساً للفكرة تماماً، رغم عودته لاحقاً لإخراج "ساراباند" (2003)، وهو تكملة لفيلمه الشهير "مشاهد من زواج" (1974). خلال تلك المرحلة، كتب بيرغمان عدداً من السيناريوهات أخرجتها الممثلة النرويجية ليف أولمان، أبرزها "لقاءات خاصة" (1996) و"خائن" (2000). يستند الأخير إلى تجربة بيرغمان الشخصية حين ترك زوجته، مصمّمة الرقصات إيلين لوندستروم، وأطفالهما الخمسة عام 1949، لقضاء ستة أسابيع في باريس مع الصحافية غون غروت، زوجة صديقه المقرّب، والتي أصبحت لاحقاً زوجته الثالثة. هذا الهروب الذي أدى إلى طلاق الطرفين انعكس في فيلم "خائن" (إخراج ليف أولمان، 2000)، كما في أعمال أخرى لبيرغمان مثل "الصمت" (1963).
يبدأ الفيلم الأصلي باقتباس بالغ الدلالة من الكاتب المسرحي الألماني بوثو شتراوس: "لا يوجد فشل شائع، سواء كان مرضاً أو إفلاساً أو سوء حظ مهني، يُحدث تأثيراً قاسياً وعميقاً على اللاوعي كالطلاق". عند عرض الفيلم، كان توماس ألفريدسون (مواليد 1965) قد أخرج المسلسل القصير "جنود في ضوء القمر" (2000)، واقترح على بيرغمان تحويل "خائن" إلى مسلسل، لكن الأخير ردّ بأن الفكرة "مثيرة للغاية"، لكنها في الوقت نفسه "سيئة للغاية". بعد عقدين، تحوّل المشروع أخيراً إلى مسلسل من ست حلقات من إنتاج التلفزيون السويدي وقناة "آرتي". عملٌ يستحق المشاهدة حتى وإن لم يُضاهِ أفلام بيرغمان، فهو لؤلؤة فنية نادرة وسط بحر المسلسلات التجارية السريعة.
كتبت السيناريو الكاتبة النرويجية سارة جونسن (مواليد 1970)، التي أجرت تغييرات جوهرية على القصة، مضيفة منظوراً أنثوياً واضحاً إلى حكاية الخيانة الزوجية وعواقبها، ما منح شخصية ماريان عمقاً أكبر، بعد أن كانت في الفيلم تجسيداً مثالياً للأنوثة. تبدأ الحكاية عام 1977، حين يمرّ المخرج السينمائي ديفيد هوارد (غوستاف ليند) بتجربة طلاق صعبة، فيغادر لندن إلى استوكهولم، حيث يعيش صديقه المقرّب، الموسيقي ماركوس فوغلر (أوغست فيتغنشتاين)، مع زوجته ماريان (فريدا غوستافسون) وابنتهما المراهقة إيزابيل (بوبي كلينتنبرغ هاردي)، التي تنجذب عاطفياً إلى ديفيد. ومع نص جاهز للإخراج، يتلقّى ديفيد ملاحظات ماريان حول رؤيته الذكورية المفرطة للبطلة، فيقترح كتابة رواية بعنوان "سوزانا" عن امرأة متحرّرة جنسياً، ويستعين بماريان لبطولتها.
مقارنة بالفيلم، يُحدث المسلسل تحوّلاً كبيراً في المنظور: بينما يقدّم الفيلم حواراً بين الكاتب بيرغمان (إرلاند جوزيفسون) والصورة المثالية لماريان (لينا إندري)، تُروى أحداث المسلسل من منظور ديفيد المُسنّ (جيسبر كريستنسن)، الذي يلتقي ماريان (لينا إندري أيضاً) مجدداً بعد حدث درامي مفصلي في الحلقة الثانية. اختيار كريستنسن أثار الجدل في السويد، ليس لعدم شبهه الكبير بغوستاف ليند فحسب، بل أيضاً بسبب لكنته الدنماركية التي أضفت غُربة على بعض الحوارات، وإن كان ذلك غير ملحوظ للجمهور الدولي. يدور المسلسل في أجواء درامية حميمة، تستكشف التفاعل العاطفي والصراع بين الشخصيات داخل بنية عائلية متشابكة. يتناول الغيرة، والرغبة، والجنس، والروابط الأسرية، ووعود الإخلاص التي لم تُوفَ. يتقاطع اللقاء الرومانسي بين ديفيد وماريان مع عملية صناعة الفيلم نفسها، في علاقة مزدوجة بين الحياة والفن.
مقارنة بنهاية الفيلم القاسية، يتّسم المسلسل بنبرة أكثر تسامحاً، تجسدها شخصية إيزابيل البالغة (مالين كريبين)، رمزاً للمغفرة وإعادة التوازن. الحلقات الأولى آسرة على وجه الخصوص، إذ تتجلى الرغبة بين ديفيد وماريان عبر النظرات والإيماءات الصامتة، وهما يحاولان مقاومة الإغراء. طالما قيل إن بيرغمان كان مخرجاً "يفهم النساء"، لأنه قدّم شخصيات نسائية معقّدة، لكنه في الوقت نفسه اختزلها في رؤية ذكورية. يلتقط ألفريدسون هذه المفارقة بذكاء في الحلقة الثالثة، "سوزانا"، حين تظهر البطلة مغطّاة الوجه بالحجاب بينما جسدها عارٍ، أمام طاقم تصوير رجالي بالكامل، في مشهدٍ إباحي يصوّره ديفيد. المشهد ليس تعليقاً على النظرة الذكورية فحسب، بل أيضاً تأمّل في علاقة المخرج بالموضوع الأنثوي.
الإخراج متقن على طريقة ألفريدسون: يعيد إحياء سبعينيات القرن الماضي بدقّة، لا في الأزياء والديكور فحسب، بل في التفاصيل الدقيقة لغرف مليئة بالكتب والأشياء، كما يوظّف الكاميرا لتأطير الشخصيات بين النوافذ والأبواب، في انعكاس بصري لعزلتها النفسية والجسدية.
بعد النجاح الذي يلقاه فيلم "سوزانا" في مهرجان سينمائي، يبدأ ديفيد بإخراج الآنسة جولي (1889) لستريندبيرغ على المسرح، في إشارة واضحة إلى فيلم ليف أولمان الآنسة جولي (2014)، ما يجعل المسلسل جزءاً من حوار فني متواصل بين إرث بيرغمان وأعمال أولمان. يعتمد المخرج على موسيقى هانز إيك (مواليد 1964) التي تُستخدم لتحديد شخصية ماركوس فوغلر وعلاقته بالآخرين، كما تُشكّل في مواضع معينة مونتاجاً موسيقياً يعكس تحوّلات الشخصيات.
يحقّق المسلسل إنجازاً صعباً: ترجمة عالم بيرغمان إلى رؤية أكثر معاصرة، تُقدّم ماريان، كما جسّدتها فريدا غوستافسون، بعمق إنساني جديد يجعلها فاعلة لا موضوعاً للرغبة فحسب، كما يمنح مساحة لإيزابيل لتجربة رغبة وخيبة مختلفة مع ديفيد، رغبة تتجاوز الغيرة وتبحث عن المعنى. بهذا المعنى، يتيح الامتداد الزمني للمسلسل، خمس ساعات مقابل ساعتين ونصف للفيلم، مساحة أكبر لتطوّر العلاقات والمشاعر، في تجربة بصرية وعاطفية متقنة، تُعيد قراءة خيانة بيرغمان الأولى بوصفها رحلةً في هشاشة الإنسان وحيرته أمام الحبّ.