المخرج حيدر غني لـ"العربي الجديد": السينما الحقيقية تولد من مواجهة الأسئلة الصعبة

02 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:24 (توقيت القدس)
حيدر غني: أبحث عن صورة تعبّر عن اللغة من دون أن تُصبح شرحاً (الملف الصحافي للمخرج)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فيلم "الأكراد ولغة القرآن" يسلط الضوء على العلاقة الثقافية بين اللغتين الكردية والعربية وتأثير القرآن في المجتمع الكردي، مع التركيز على القصص الإنسانية والهوية الكردية، بدعم من لجنة مبادرة دعم السينما.
- يواجه المشروع تحديات في تحويل اللغة إلى صورة سينمائية باستخدام عناصر بصرية، مع تصوير في محافظات عراقية متعددة، بهدف الاحتفاء بالتنوع العراقي كمصدر قوة.
- تسعى شركة الغني ميديا إلى إنتاج أفلام عراقية تنافس دولياً، مع التركيز على دعم المواهب الشابة وتطوير التمويل والتوزيع والتعليم السينمائي لبناء صناعة سينمائية قوية.

حيدر غني أكاديمي ومخرج ومُصوّر سينمائي وتلفزيوني. متخصّص أيضاً بتصميم الإضاءة، والإنتاج الإعلامي. له خبرة مهنية أكثر من 20 عاماً في صنع الإعلام المرئي. نال دكتوراه في السينما من جامعة بغداد، وعمل في قنوات فضائية عراقية وعربية ودولية. من أبرز أفلامه: "هدوء مكان" و"الممسوس" و"البيت". يعمل حالياً على فيلم وثائقي بعنوان "الأكراد ولغة القرآن"، الذي يُصوَّر في كردستان العراق: عن البعدَين الثقافي والتاريخي للعلاقة بين اللغتَين الكردية والعربية، وأثر القرآن في المجتمع الكردي. نال المشروع منحة الدولة لدعم السينما، ضمن برنامج دعم الإنتاج السينمائي الوطني.

ماذا عن مشروعك الجديد؟

من المشاريع التي أشعر أنها تحمل مسؤولية ثقافية وإنسانية، قبل أن تكون تجربة سينمائية. منذ فترة، أبحث في موضوعات تتجاوز السرد التقليدي، وأقترب أكثر من الإنسان وقصصه وعلاقته بالمكان واللغة والذاكرة. لذا؛ وجدت أنّ هذا المشروع يمتلك العناصر التي يمكنها صنع فيلم يعيش طويلاً.
الفيلم لا يتناول اللغة العربية بوصفها لغة قومية أو سياسية، بل ينظر إليها بكونها لغة القرآن، وكيف استطاعت عبر قرون أن تصبح جزءاً من الحياة الثقافية والدينية لشريحة واسعة من المجتمع الكردي، مع احتفاظ الأكراد بلغتهم وهويتهم وتقاليدهم. هذا التعايش الثقافي شدّني، فالعراق دائماً مساحة للتنوّع، الذي أعتقد أن السينما يجب أن توثقه، بدلاً من الاكتفاء بسرد حروب وصراعات. أؤمن أن الوثائقي الحقيقي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة، ويترك للمُشاهد مساحة للتفكير. هذا ما أسعى إليه في المشروع.

ما الذي جذبك في سيناريو مصطفى حسن لإنجاز "الأكراد ولغة القرآن"؟

وجدت أن الفكرة لا تعتمد على المعلومات فحسب، بل على الإنسان. السيناريو يتعامل مع الشخصيات بوصفها حاملة للذاكرة، لا مجرّد مصادر للمعلومات. هذه نقطة مهمة جداً لي كمخرج. ما جذبني أيضاً أن النص لا يقع في الخطابة والمُباشرة، بل يترك المجال للصورة كي تتحدّث. بالنسبة إلي، السينما الوثائقية ليست محاضرة مصوّرة، بل لغة بصرية تمتلك إيقاعها وشاعريتها. منحني السيناريو مساحة كبيرة لبناء رؤية إخراجية، تعتمد على الصورة والصوت والصمت والبيئة الطبيعية وتفاصيل الحياة اليومية. وجدت فيه فرصة لبناء عالم بصري متكامل، يبدأ من المدن الكردية وتاريخها، ويمرّ بالمؤسسات التعليمية والدينية، ويصل إلى البيوت والأسواق والحوارات الإنسانية البسيطة، فيشعر المُشاهد أنه يعيش التجربة، ولا يستمع إليها فقط. بالنسبة إليّ، نجاح أي فيلم وثائقي يبدأ من وجود نص يحترم عقل المُشاهد. هذا وجدته في السيناريو.

حيدر غني: الوثائقي الحقيقي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة، ويترك للمُشاهد مساحة للتفكير

المشروع مدعوم من لجنة مبادرة دعم السينما. هل ترى أن هذا الدعم بديل مناسب للتمويل؟

لجنة دعم السينما تمثل خطوة مهمة في إعادة الثقة بالإنتاج السينمائي العراقي. حصول المشروع على دعمها منحه فرصة حقيقية لتنفيذ فكرته. لكن، في الوقت نفسه، لا أعتقد أن هذا النوع من الدعم يجب أن يكون بديلاً عن المنظومة المتكاملة للتمويل السينمائي. السينما صناعة، والصناعة تحتاج إلى استثمار وشركات إنتاج وصناديق تمويل، إلى شراكات مع القطاع الخاص، وقنوات توزيع، وأسواق للأفلام. المبادرة الحكومية يمكن أن تكون الشرارة الأولى، لكنها لا تستطيع وحدها أن تتحمّل مسؤولية بناء صناعة سينمائية مستدامة.

هل هناك صعوبات في تحقيق فيلم كهذا، خاصة أنه يتحدث عن اللغة؟

بالتأكيد هناك تحديات كبيرة، لأن الحديث عن اللغة يختلف عن الحديث عن مكان أو حدث تاريخي. اللغة فكرة غير مرئية، بينما السينما تعتمد على الصورة، وهنا تكمن الصعوبة الأساسية. كيف يمكن لمخرج تحويل اللغة إلى صورة؟ هذا السؤال حاضرٌ منذ بداية المشروع. لذا؛ انصبّ اهتمامي على البحث عن الصورة التي تعبّر عن اللغة، من دون أن تتحول إلى شرح مباشر. سنرى الخط العربي، ووجوه الأطفال وهم يتعلّمون، وأصوات القراءة، والمخطوطات، وحركة الحياة اليومية، والطبيعة الكردية. كل هذه العناصر ستتحوّل إلى لغة بصرية موازية للنص.
التصوير سيكون في أكثر من محافظة، كأربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة. إنه يتطلّب تنسيقاً كبيراً على المستويَين الفني والإداري، إضافة إلى احترام خصوصية كل منطقة، والتعامل مع شخصيات مختلفة في أعمارها وخلفياتها.
من التحديات أيضاً تحقيق توازن بين الحساسية الثقافية والدقة العلمية، فالفيلم لا ينحاز إلى خطاب معين، بل يحاول تقديم الواقع كما هو، ويحتفي بالتنوّع العراقي بوصفه مصدر قوة لا سبباً للاختلاف.
أعتقد أن هذه التحديات، رغم صعوبتها، تجعل المشروع أكثر إثارة، لأن السينما الحقيقية تولد من مواجهة الأسئلة الصعبة.

بالنسبة إلى شركة الغني ميديا للإنتاج السينمائي. هل لديها مشاريع لإنتاجها؟

بالتأكيد. هذا جزء أساسي من رؤية الشركة (إنه نائب رئيس مجلس إدارتها ـ المحرّر)، التي لم تؤسَّس لتقديم خدمات فنية فحسب، بل لتكون مؤسسة إنتاج سينمائي وتلفزيوني، تقدّم أعمالاً عراقية تنافس، عربياً ودولياً. لدينا خطة لإنتاج أفلام وثائقية وروائية، قصيرة وطويلة، ومشاريع تلفزيونية تعتمد على الجودة الفنية، وتستفيد من التقنيات الحديثة في التصوير والإضاءة وما بعد الإنتاج، كما نطمح إلى الدخول في شراكات إنتاجية مع مؤسسات عربية وأجنبية، لأنّ السينما اليوم أصبحت صناعة عالمية، ولا يمكن لأي شركة أن تعمل بمعزل عن التعاون الدولي.
من أهداف الشركة أيضاً دعم المواهب العراقية الشابة، في الإخراج والتصوير وكتابة السيناريو والمونتاج. فبناء صناعة سينمائية حقيقية يبدأ ببناء الإنسان قبل المعدات والاستوديوهات. أرى أن السنوات المقبلة ستشهد حضوراً أكبر للقطاع الخاص في السينما العراقية، وستكون الشركة جزءاً من هذا التحول، بصفتها شركة إنتاج، تسهم في تطوير البيئة السينمائية عامة.

ماذا عن المشهد السينمائي العراقي الآن؟

أعتقد أن السينما العراقية تمرّ اليوم بمرحلة انتقالية مهمة. هناك جيل جديد يمتلك الموهبة والجرأة والرغبة في تقديم أفلام مختلفة، والتكنولوجيا الحديثة جعلت إنتاج الفيلم أقل كلفة، وإنجازه أسهل من السابق. في المقابل، لا نزال بحاجة إلى عمل كثير في التمويل والتوزيع والتعليم السينمائي، وبناء دور العرض، وصناعة سوق حقيقية للفيلم العراقي.
هناك مخرجون ومصوّرون وممثلون وتقنيون يمتلكون كفاءات عالية، لكنّهم يحتاجون إلى بيئة إنتاج مستقرّة، تتيح لهم الاستمرار، كما أن المشاركة في المهرجانات الدولية أصبحت أفضل من السنوات الماضية، وهذا مؤشّر إيجابي، لكنه لا يكفي وحده.
أنا مقتنع بأن السينما العراقية تمتلك هوية خاصة، لأنها تنطلق من بلد غني بالتاريخ والثقافات والتنوع الإنساني. إذا استطعنا تحويل هذه العناصر إلى أفلام صادقة ومكتوبة بإتقان ومنفّذة باحتراف، سيصل الفيلم العراقي إلى الجمهور العالمي.