استمع إلى الملخص
- الفيلم يتناول شعور ليليان بالذنب تجاه انتحار مريضتها بولا، ويمزج بين الجريمة والتحليل النفسي والعلاقات العائلية، لكنه يعاني من سيناريو معقد وغير متوازن.
- تركز الكاميرا على جودي فوستر، مما يترك الشخصيات الأخرى دون تعمق كافٍ، رغم الأداء البارع للممثلين الفرنسيين، وتبرز العلاقة بين ليليان وزوجها السابق كجانب عاطفي فعال.
جودي فوستر في فيلم فرنسي. حلمت الممثلة الأميركية الأكثر فرنسية، كما توصف، بأداء دور كامل باللغة الفرنسية التي تتقنها. هذا الدور قَدَّمته لها المخرجة الفرنسية ريبيكا زلوتوفسكي. هل سيضيف هذا إلى مسيرتها الحافلة إنجازاً خارقاً للعادة؟ إنْ كان لناحية اللغة، فنعم، لأنّها تتحدث الفرنسية، للمرة الأولى، في معظم الفيلم، إن لم يكن كله، والتكلّم بها يضيف إليها سحراً ولطافة، لا ريب. لكن، هل هذا يكفي لنجاح فيلم؟
للمرة الرابعة، تمثّل جودي فوستر في فيلم فرنسي، والأولى في "أنا، وردة زرقاء" (1977) لإيريك لو هانغ، حين كانت تبلغ 15 عاماً. اليوم، باتت في الـ63، وتؤدّي بطولةً مطلقة في "حياة خاصة" (2025) لزلوتوفسكي، وبينهما هناك "دماء الآخرين" (1984) لكلود شابرول، و"خطبة يوم أحد طويل" (2004) لجان ـ بيار جوني.
في جديدها، المعروض خارج المسابقة الرسمية للدورة 78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ"، تؤدّي دور ليليان: محلّلة نفسيّة أميركية معروفة، تعيش في باريس، ومنفصلة عن زوجها الفرنسي. حين تعلم بانتحار مريضتها بولا (فرجيني إفيرا)، ترفض تصديق الأمر، وتقنع نفسها بأن السبب جريمة قتل ارتكبها الزوج. قناعة تربك حياتها ويومياتها، وتدفعها إلى تحريات خاصة، يُغذّيها ما تعرفه عن الحياة الشخصية لبولا. سيكون بحثها منفذاً إلى سبر عوالمها الداخلية، واكتشاف أسرار تتعلّق بمشاعرها وعلاقاتها هي بالآخرين، وأولهم ابنها الشاب، وآخرهم مريضتها. في رحلتها "البوليسية" تلك، هناك غوص في متاهات ومسالك متعرّجة، تتلمّس أنواعاً سينمائية مختلفة.
هذا ليس عيباً بحدّ ذاته، لو لم يكن السيناريو (كتابة زلوتوفسكي وغايل مايس) مُتكلّفاً في تعقيد حكاية غير قابلة للتصديق، عن جريمة محتملة. الإخراج غير مقنع في قفزاته وتردّده بين البوليسي والنفسي والاجتماعي والفكاهي، في بحث عن قاتل متوَهَّم، وتحليل نفسي لمضطربين، وعلاقات عائلية مرتبكة ومعقّدة، وتصوّرات حياة سابقة عبر التنويم المغناطيسي. بهذا كلّه، يتخلخل توازن الفيلم وهويته.
ليليان تشعر بالذنب لما حصل لبولا، لأنها لم تستطع تلمّس رغبتها في الانتحار، فتحاول بأسلوب بوليسي التغلغل في حياة عائلة مريضتها، ولا سيما زوجها، وتراقبها لكشف الغموض الذي تظن أنه يحيط بموتها. في مشاهد بوليسية، غير مقنعة بدوافعها وأهدافها، تتحوّل إلى تحرٍّ (فاشل)، لا يكتشف شيئاً في النهاية. لكن، ما كان مُثيراً في هذه الرحلة، تعبير الفيلم عن ظواهر اجتماعية تظهر مجدّداً، كالتنويم المغناطيسي، الذي تلجأ إليه الطبيبة للتخلّص من حالة غريبة أصابتها، بعد علمها بانتحار بولا، أي البكاء، أو كما تقول في تعبير جميل: "أنا لا أبكي. عيناي تفعلان". يقودها هذا في متاهات حياة ماضية، وتخيّلات لا واقعية، ونقاشات هرائية مع ابنها عن أسباب علاقة باردة بينهما، اكتشفتها عبر التنويم. وربما أيضاً عن دوافع مثلية لديها تجاه بولا. ينحو "حياة خاصة" إلى اعتراف ما بدور التنويم في شفاء وكشف، فيُقدّم بهذا صورة واقعية عن ظاهرة في المجتمع، يزداد حضورها مؤخراً.
تجري ليليان تحرياتها بمساعدة زوجها السابق غبريال (دانيال أوتوي)، وبقيادتها. في المشاهد كلّها، لا تكفّ الكاميرا عن متابعتها وتصويرها بلقطات مُقرّبة، تتناسب مع سيناريو متمحور حول شخصيتها، بينما من حولها شخصيات غير قائمة بذاتها، كالبطل السنيد، الذي لا يُعرف عنه الكثير، ولا يُنظر إليه إلا ضمن دائرة حُصر فيها دعماً لدور البطلة، مع أن من يؤدّيها ممثلون بارعون في السينما الفرنسية.
هناك الزوج السابق لليليان (أوتوي)، الذي لا تزال علاقتها به قوية، وتلجأ إليه بمشكلاتها وسعيها إلى كشف ما تعتقد أنه جريمة. هناك الابن الشاب جوليان (فنسان لاكوست)، الذي يقتصر ظهوره على مشاهد تجمعه بأمه حين تأتي إلى بيته لغرض ما، حيث يكون دائماً مع طفله، ولا تظهر زوجته إلا في مشهد وحيد، بلقطة واسعة لوجبة عائلية، وتنطق جملة واحدة تنتقد فيها ليليان. هناك أيضاً ماتيو آملريك، زوج المُنتحرة، التي لا نكاد نتبيّن شخصيتها ووجهها (إيفيرا)، إذْ لا تقترب منها الكاميرا إلا في مشهد. جميع هؤلاء يبدون أطيافاً تدور حول جودي فوستر، لا شيء يُفيد في التعرّف عليهم، وفهم دواخلهم.
الشخصيات مهملة نوعاً ما أمام "هالة" فوستر، التي لا يتوفر مشهد من دونها. ومع أنّ الجميع يؤدّون أدوارهم ببراعة، كما عُهِد عنهم، لم تُتح لهم فرص لإظهار إبداعاتهم. كأنهم يتبعون ما يمليه عليهم حضور الممثلة الأميركية. كأنهم تُركوا مع فوستر، يتصرّفون على هواهم، باستثناء أوتوي، فالعلاقة بين ليليان وغبريال تجلّت بشكل فعّال، والمشاهد العاطفية الرقيقة بينهما من أكثر ما أفلح به "حياة خاصة"، وما تجيد زلوتوفسكي التعامل معه، كما فعلت سابقاً في "أولاد الآخرين" (2022)، مع إيفيرا أيضاً. نجح أوتوي، بما أتيح له من مشاهد، بإضفاء نسمة منعشة، خفّفت من مسارات متكلّفة، أثقلت كاهل السرد.
في الفيلم، حوارات قصيرة تتناوب مع صمت في فضاءات حميمة ومهنية مغلقة في معظم المشاهد: عيادة ومنازل ومطاعم وسيارة، وضوء قاتم، مع تركيز أكبر على وجه بطلته وتعابيرها في لقطات مقرّبة، لم تفلح في جعل الدخول في عالمها، الذي تخترع فيه الأحداث، أكثر يسراً. مع محاولات لإضفاء شيء من فكاهة عليها. لكن، يبدو أن هذا مجال لا تنجح فيه زلوتوفسكي كما ينبغي.