حمض هتلر النووي... جينات ودماء الديكتاتور على الأريكة
استمع إلى الملخص
- النتائج الجينية والاضطرابات النفسية: أظهر التحليل الجيني ارتباط هتلر بمتغيرات جينية للتوحد والفصام والاضطراب ثنائي القطب، وطفرة في جين PROK2، مما يفسر بعض جوانب شخصيته المعقدة.
- الجدل العلمي والأخلاقي: أثار المشروع جدلاً حول تفسير النتائج وربطها بسلوك هتلر، محذراً من إساءة الفهم، ومشيراً إلى أن جيناته ليست نقية أو استثنائية.
لا تزال شخصية أدولف هتلر ــ الزعيم النازي الذي أشعل الحرب العالمية الثانية وأسس أيديولوجيا تقوم على التفوق العرقي ــ تُثير فضول العلماء والمؤرّخين على حدٍ سواء. فبعد مرور ثمانية عقود على انتحاره في برلين عام 1945، تحاول الأبحاث الحديثة سبر أغوار شخصيّته عبر نافذة غير متوقعة: الحمض النووي.
في 15 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي عرضت القناة الرابعة البريطانية الجزء الأول من الوثائقي المكوَّن من حلقتَين بعنوان "حمض هتلر النووي: المخطط الجيني لديكتاتور" Hitler’s DNA: Blueprint of a Dictator. يسلط الوثائقي الضوء على تحليل جينات هتلر لفهم أصله البيولوجي وصحته النفسية والجسدية، وهو مشروع أثار جدلاً أخلاقياً وعلمياً حول مدى وجوب التعمق في حمضه النووي. واجه صناع الوثائقي تحديَين أساسيَين: هل من الممكن استخراج معلومات جينية دقيقة عن هتلر؟ وإذا كان ممكناً، هل يجب فعلاً القيام بذلك؟ بعد أكثر من عقد على تجارب سابقة فشلت في تحليل شعرة مزعومة لهتلر، تمكن فريق العمل أخيراً من الحصول على قطعة قماش ملطخة بدمائه، يُعتقد أنها من الأريكة التي جلس عليها قبل انتحاره في ربيع 1945 في برلين. لم ينجح الباحثون في الحصول على عينات حمض نووي جديدة من أقارب هتلر الأحياء في النمسا والولايات المتحدة، لكن مسحة جينية من قريب ذكر لجده لأبيه، جمعت قبل عشر سنوات للتحقق من شائعة عن ابنه غير الشرعي، أظهرت تطابقاً كاملاً في الكروموسوم Y، ما أكد أصالة العينة.
شارك في البرنامج عالِمة الوراثة البريطانية توري كينغ، الشهيرة بتحليل بقايا ريتشارد الثالث في ليستر، والمؤرخ الألماني الدكتور أليكس كاي، المتخصص في حقبة النازية من جامعة بوتسدام. وسمح الجمع بين الخبرة العلمية والتاريخية باستخلاص نتائج دقيقة حول أصول هتلر البيولوجية وحالته الصحية والنفسية.
النتائج الجينية لحمض هتلر النووي
أظهر التحليل أن هتلر كان ضمن أعلى 1% من المتغيرات الجينية المرتبطة بالتوحد، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، أي أن 99% من الناس سجلوا درجات أقل منه في هذه الاضطرابات. وبيّن أنه يحمل طفرة في جين PROK2 المرتبط بمتلازمة كالمان، التي قد تمنع إحدى الخصيتَين من النزول على نحوٍ طبيعي، وهو ما يتوافق مع تقرير طبي من سجنه في لاندسبرغ عام 1923 يشير إلى عدم نزول الخصية اليمنى. وكشف أنه يمتلك متغيرات جينية مرتبطة بارتفاع احتمالية الإدمان والاستعداد لتعاطي المنشطات، بما يتقاطع مع اعتماد هتلر على الميثامفيتامين في سنوات الحرب الأخيرة. كما كشف الوثائقي عن أصله العرقي، موضحاً أن هتلر لم يكن "آرياً نقياً" كما ادعى، أظهرت أبحاث سابقة على أقاربه وجود جذور محتملة من شمال أفريقيا، وأثار جينات أمازيغية ومغاربية، وسلالة محتملة E1b1b الشائعة بين اليهود السفارديم والبربر والشرق الأوسط.
الجدل العلمي والأخلاقي
أجرى فريق الوثائقي اختبارات "مؤشر المخاطر متعدّد الجينات" Polygenic Risk Score (PRS) لتقدير الميل لبعض الاضطرابات النفسية، مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والتوحد، لكنها ليست مؤشراً تشخيصياً دقيقاً للفرد، وأكد العلماء المشاركون أن هذه النتائج تعكس احتمالات على مستوى السكان وليست محدّدة لشخص واحد، محذرين من إساءة تفسيرها وربطها مباشرة بسلوك هتلر أو أفعاله التاريخية. وشاركت البروفيسورة دِتّه ديمونتيس من جامعة آرهوس الدنماركية، أستاذة علم الوراثة النفسية، في التحليل. وأكدت، في تصريحات للصحافة المحلية، أنّ هذه النتائج "لا تصلح للتشخيص الطبي، ولا تفسّر سلوك هتلر أو المجازر النازية، بل تقدّم زاوية جديدة لفهم التعقيد البيولوجي لشخصيته"، وأضافت أن الاستثنائية في شخصية هتلر لم تأتِ من الجينات وحدها، بل نتيجة خليط من الظروف والبيئة والخيارات والسياق التاريخي.
من سرديات "القائد الآري النقي" إلى صورة "الزعيم المعصوم"، تهدم الأبحاث الحديثة واحدة تلو الأخرى الهالة التي حاولت الآلة الدعائية النازية بناءها. فجينات هتلر، كما تظهر اليوم، ليست نقية، ولا استثنائية إلّا في جوانب مرضية، وليست خارقة أو متفوقة كما صوّرها في كتابه "كفاحي". العلم لا يُبرّئ، ولا يدين، لكنه يكشف. وكلما كشف أكثر، ضاق الخناق على الأساطير التي حاولت النازية تحويلها إلى عقيدة.