استمع إلى الملخص
- بكر، المعروف بتمرده على المؤسسات الفنية، كان يُعتبر نموذجاً للطفل المشاكس، حيث يرفض الرتابة ويعارض السائد، لكنه كان محافظاً في تمرده، داعياً للتمسك بالماضي.
- العصر الذهبي للأغنية العربية ارتبط بأسماء مثل أم كلثوم ووردة الجزائرية، وتميز بالتجديد والابتكار، كما في أغنية "لعبة الأيام" لرياض السنباطي.
لعل أحداً من أعلام الموسيقى العربية المعاصرين لم يُعبّر عن الاستياء من حاضر الأغنية والحنين إلى ماضٍ ذهبيٍّ يُنسب إليها بالشّدة التي أبداها الملحن المصري حلمي بكر الذي مرّ في الأوّل من الشهر الحالي عام على رحيله.
قد سبق له في مقابلة أجراها مع صحيفة الدستور المصرية، أن أطلق تصريحاتٍ ناريّة نعى فيها الأغنية العربية المعاصرة، ووصف الجيل الجديد من المغنّين بأنهم "في عداد الموتى"، قائلاً: "لم نعد نملك مطرباً واحداً قادراً على تقديم أغنية محترمة"، عازياً ذلك إلى تبدّل النهج الذي سرت وفقه صناعة النجم، إذ بات اليوم التركيز على المظهر أولاً، بدلاً من المغنى. وحمّل التكنولوجيا الحديثة مسؤوليّة انحدار المستوى والتساهل إزاء تدنّي الأداء، حينما سخر قائلاً في معرض الحوار نفسه: "هات حماراً ينهق، وأدخل صوته على جهازٍ معيّن، سيحوّله إلى صوت بشري، ثم إلى مطرب".
بالنظر إلى موقفه الرافض للراهن مُطلقاً، يجسّد حلمي بكر نموذج "الطفل المشاكس" (Enfant Terrible)، وهو وصف درج إطلاقه منذ القرن التاسع عشر على مبدعين يتميّزون بنزعة فرديّة حادة، تجعلهم في حال تمرّدٍ دائمٍ وتحريض مستمر عبر وسائل الإعلام، على المؤسسات القائمة والمسؤولة عن تأطير مجالات الثقافة والفن، وعلى السائد بجماليّاته وخطابه؛ هو الذي سبق له أن جرّب التقولب المؤسساتي، حينما عُيِّن مدرِّساً للموسيقى في وزارة التربية المصرية، لكن سرعان ما استقال متذرّعاً بعدم قدرته على احتمال الرتابة الوظيفية، ما يُفسّر ميله السيكولوجي إلى معاكسة التيار.
بالمقابل، فإن تمرّد صاحب أوبريت "الحلم العربي" يكتسب طابعاً محافظاً يصل إلى حدود الرجعية والأصولية الفنيّة، إذ ظلّ يهاجم الحاضر باستمرار من منصّة الحض على التمسّك بالماضي عبر تبجيله والحنين إليه، ما يضعه في تناقض مع صورة "الطفل المشاكس" كما شاعت في السياقات الغربية، إذ لطالما اتّسم المتمرّدون بالقطيعة مع الماضي وباعتناق المستقبل بوصفه يوتوبيا واعدة بالخلاص والازدهار.
لأجل تحديد إطارٍ زمنيٍّ لذلك الماضي الذهبي الذي ظلّ "الطفل المشاكس" يتغنّى به، يمكن تعيين حقبةٍ مركزها مصر، تبدأ بالسيدة أم كلثوم وتنتهي بالمطربة وردة الجزائرية. إضافةً إلى الأعلام الطربيّة، ثمة أيضاً أسماءٌ تلحينية عاصرت تلك الحقبة وساهمت في التأسيس لها، من زكريا أحمد، مروراً بمحمد القصبجي ورياض السنباطي، وصولاً إلى محمد الموجي وبليغ حمدي.
لكن عند الإمعان في النظر إلى المخرجات الفنيّة التي زخر بها ذلك الماضي المجيد من دون الاستكانة إلى أيّة مُطلقاتٍ أيديولوجيّة أو نوستالجيا، يُصبح من العسير رؤيته إرثاً مُسمّطاً مُتجانساً، وإنما محض سيولةٍ مساميّة بعيدة كل البعد عن التبلور الأسلوبي، بل إن أكثر ما ميّزها هو البحث المخبري الدؤوب عن ابتكارات جديدة شملت الكتابة والتلحين والغناء، طاولت مضمون القصيدة المغناة وشكلها، والقالب الموسيقي، ومن ثم الأسلوب الأدائي. ظلّ أحد دوافعها الأساسية ضرورة التكيّف والتواؤم مع تبدّل الذائقة العامة بمقتضى تغيّر الزمن وتطوّر وسائله، سواء على صعيد الإنتاج أو الاستهلاك.
من بين تلك المسامات التي سمحت بمرور الدفق الإبداعي امتثالاً لمتغيّر الزمن، والتي تحمل في عنوانها إشارة رمزية إلى حُكمه، أغنية "لعبة الأيام" التي كتب كلماتها الشاعر علي المهدي ولحّنها السنباطي، لتُغنّيها وردة. كان الباحث الموسيقي سعد الله آغا القلعة قد اعتبر، في سلسلة مقالاته الإلكترونية "كتاب الأغاني الثاني"، أنه لا تمكن المقاربة النقدية لذلك العمل الفريد من دون الأخذ بالاعتبار التحوّل الذي طرأ على مسيرة أم كلثوم منتصف الستينيات، حين بدأت تستشعر ضرورة تحديث نهجها الفنّي استجابة لتبدّل هوى جمهورها، وعليه بحثها عن ملحنين شباب، عسى أن يُبدوا مرونة في مواكبة روح العصر.
خلق التموضع الكلثوميّ الجديد موجاتٍ ارتدادية في عموم الوسط الفني، على الأخص لدى المُلحنين المُخضرمين الذين خشوا أن يفوتهم قطار العصرنة، فتحرّض عندهم دافع المواكبة اقتداءً بكوكب الشرق. من خلال "لعبة الأيام"، آثر السنباطي تركه "فسحة الراحة" (Comfort zone) التي اعتاد الإقامة فيها، بتلحينه الأغنية الملحمية المصممة للأداء من على خشبة المسرح، والاتجاه إلى أغنيةٍ تستفيد من تكنولوجيا تكبير الصوت وتسجيله، وتُعدّ للاستماع عبر الراديو وشاشة التلفزيون.
لذا، تبنّى قالب المونولوج الشاعري، ببادرة إعادة تدويرٍ لإرث قديم، تحوّر من أن يكون فقرة طربية من مسرحية غنائية إلى أغنية قصيرة واكبت ثورة الأسطوانات زمن عشرينيات القرن العشرين. بدورها، أدخلت وردة لوناً صوتيّاً جديداً، لم يخرج كليّاً من العباءة الكلثومية، إلا أنه تميّز بخفّة وألفة ورشاقة تناسب الأذن الملتصقة ببوق المذياع، بدلاً من أن يحد بينها وبين المطرب، جدار المسرح الرابع.
أما النص الأدبي، فقد ابتعد عن طابع الخطابة الذي وسم حقبة الخمسينيات، ومال جهة البوح وشكوى وجع الحب بلغة بسيطة شفافة، تلج وجدان شباب الطبقة الوسطى. بهذا، ومن خلال "لعبة الأيام"، جسّدت وردة ذاك المسام الجيلي، الذي سمح لإرث الماضي الغنائي بالعبور إلى المستقبل، إذ جمعت جمعاً برزخياً بين ملحنين ومستمعين، وإن باعدت بينهما حقبة زمنية، سعوا مجتمعين، مُقبِلين أو مُكرَهين، لامتلاك وسائل العصر على صعيدي الإنتاج والاستهلاك.
مثل أم كلثوم، راهنت وردة وهي في عزّ شهرتها على المواهب التلحينية الشابة. في أثناء زيارةٍ لها للمعهد الموسيقي في مصر أوّل الستينيّات، سمعت من خلف باب واحدٍ من الصفوف أحدهم يُغنّي مرافقاً نفسه على عوده، فدخلت عليه تسأله ما الذي سمعته، فأجاب بأنها أغنية من تلحينه، عنوانها "شوية صبر".
أُعجبت بها ودعته إلى منزلها ليُسمعها المزيد، ثم أوصت به لدى مستشار الموسيقى والغناء في الإذاعة المصرية حينئذ، محمد حسن الشجاعي، مُمهدةً بذلك الطريق أمامه ليغدو من طلائع الجيل المقبل من الملحنين المصريين. لم يكن ذاك الطالب على أعتاب التخرّج سوى "الطفل المشاكس" حلمي بكر (1937 - 2024).