جيمس غراي مُكرَّماً بلوكارنو الـ79: "الأهم كيف نولِّد المشاعر في الأفلام"
بمناسبة منحه جائزة النمر للإنجاز مدى الحياة، بالدورة الـ79 (5 ـ 15 أغسطس/آب 2026) لمهرجان لوكارنو السينمائي، يحاور كريستوفر سْمول السينمائي الأميركي جيمس غراي (الموقع الإلكتروني للمهرجان، 9 أغسطس 2026)، كما يُعرض جديده، "النمر الورقي" (2026) بالدورة نفسها.
يروي الفيلم، المعروض أولاً بالمسابقة الرسمية للدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان "كانّ"، حكاية الشقيقين غاري (آدام درايفر) وإروين (مايلز تيلر) اللذين، بسعيهما إلى تحقيق الحلم الأميركي، يتورّطان مع المافيا الروسية: "هذه القضية المُشينة تُرعب عائلتهما، وتختبر علاقة أحدهما بالآخر بشدّة. وتكشف عن خيانة".
في مقالته المنشورة في فارايتي (16 مايو/أيار 2026)، يكتب الصحافي الأميركي أوين غليبرمان أن جيمس غراي معروفٌ "بأسلوبه السينمائي الشخصي العميق"، مستعيداً "زمن أرمجدون" (2022)، المتّخِذ "منحى سردياً صريحاً"، إذ يتمحور حول نشأته بحي كوينز، "ذي الطبقة المتوسطة، أوائل ثمانينيات القرن العشرين"، ما يُتيح له "خوض مواضيع العرق والثقافة الشعبية، وتأثير دونالد ترامب (والده المتسلّط شخصية فيه)". لذا "يفاجئنا غراي قليلاً، إذ نراه يعود (في جديده) إلى البيئة نفسها تقريباً، وإلى جوّ مشابه من الدراما النفسية العائلية اليهودية، الصاخبة والمترابطة". ثم يصفه بأنه "تتمة روحية" لـ"زمن أرمجدون"، ذاكراً أن الفيلم الجديد "يحمل محرّك التشويق والرعب الذي يميز أفلام هوليوود الجديدة والواقعية".
"في معظم فيلمه الجديد هذا، يتجنّب غراي مشاهد الحركة التقليدية لصالح التشويق الكئيب. لكنه في الجزء الأخير منه يبتكر مشهداً ذكياً وبسيطاً، يعبّر عن الرعب والعنف المحتمل الذي يغلي تحت سطح الفيلم". بهذا، يصف الناقد السينمائي الأميركي تيم غريرسن "النمر الورقي" (سكرين دايلي، 17 مايو/أيار 2026). بينما تكتب زميلته الأميركية ستيفاني زاكِْرَك (مجلة تايم، اليوم نفسه) أن الفيلم ينتمي إلى نوع "أندر بكثير من أفلام الإثارة"، لأنه "يلاحقك حتى بعد عودتك إلى المنزل، ويمنحك شعوراً بأنك مُطارد من لص أو شخص أو شيءٍ يُثير فيك خوفاً من الفقدان، لم يكن موجوداً من قبل".
سْمول مُعجب دائم بأفلام مخرج "الأوديسة الصغيرة" (1994) وThe Yards (إنتاج 2000) و"نحن نملك الليل" (2007) و"Z المدينة المفقودة" (2016) وAd Astra (إنتاج 2019) وغيرها. يقول إن جديدَه يفوق توقّعاته: "لكن، من غير المنطقي وصفه بأنه مجرّد عودة إلى أفلامك السابقة، لأن فيه عناصر المافيا الروسية". يُجيب غراي: "هذا يعني أني أتقدّم في السن"، مضيفاً أن المرء لا يسعى بالضرورة إلى صنع الفيلم نفسه مراراً وتكراراً: "لكن المخرج يسعى إلى صقل رؤيته كل مرة. أذهب إلى متحف، وأنظر كم عدد اللوحات الشخصية المرسومة بريشة فان غوخ. أنظر كم عدد الأمواج العامل عليها هوكوساي. هؤلاء الفنانون العظماء حقاً يواصلون السعي إلى إتقان ما يعملون عليه". يؤكّد أن أفضل ما يتمنّاه يكمن في شعور أحدهم بأن "جديده مُكرّر، لكنه مختلف".
يطرح سْمول ملاحظات: "بغض النظر عن عناصر مألوفة للقصة، تُثير البنية المشؤومة دهشتي: يرتكب البطل خطأ واحداً، فينهار العالم بأسره. ثم يكاد العالم ينهار تماماً بفعل انفجار عاطفي جارف". يؤكّد غراي أن هذا "هدفي الفعلي". يقول إن السينما "أكثر أشكال الفن تأثيراً عاطفياً، لأنها أقرب إلى محاكاة الحلم، والحلم نافذة على اللاوعي. هذا يمنحك منظوراً عن نفسك، وعن هويتك التي لا تُدركها إلا بعد أن تحلم". يرى أن الأفلام تكون في ذروة روعتها "عند استخدامها السرد لخدمة العاطفة والسموّ والجمال، لا كغاية بحدّ ذاتها". ثم يُشير إلى أن المُثير للاهتمام يكمن في السرد: "إنه البنية التي تُبنى عليها حياتنا العاطفية العميقة. حتى عندما نتذكّر أحلامنا على أنها غير مترابطة، لا تزال تحمل في طياتها شيئاً من القصة".
يعتبر غراي أن "هذه مسألة شخصية"، مضيفاً أن "الناس يغضبون بشدة من الأفلام التي لا تعجبهم، لهذا السبب". يقول: "يندر أن تسمع أحدهم في متحفٍ يعلن أنه يكره لوحة، لكنك تسمع ذلك عن الأفلام، أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن هناك من يُخبرك عن حالة حلمه. لماذا يثير غضبَك سماعُ همسٍ أو حديث، أو حتى صوت خشخشة غلاف حلوى في صالة السينما؟ تغضب لأن أحدهم أيقظك من حلمك. أعتقد أن إدراك أهمية الجانب العاطفي والأصالة، وكيفية توليد المشاعر في الأفلام سيعود بقوة. ستعود هذه الأصالة كعودة أسطوانات الفينيل (vinyl records)".
ينفي غراي أن يكون فيلمه "عاشقان" (2008) "سيرة ذاتية"، فيعلِّق سْمول بأنه يحمل طابعاً واقعياً بفضل أشياء موضوعة فيه، مأخوذة من منزل والديه: "رغم أنه فيلم خيالي، فإنه مستوحى من حياة حقيقية أيضاً". يُجيب غراي: "بالتأكيد. لكن، يمكننا أيضاً التمييز بين الشخصي وما فيه من سيرة ذاتية. في "النمر الورقي"، أحاول الجمع بينهما. مشهد تهديد رجال المافيا للأطفال في السيارة؟ هذا حاصل معنا، أخي وأنا. الأهم يكمن في الصدق العاطفي لتلك اللحظة. لا يتعلق الأمر فقط بتصوير الحاصل في حياتي، بل بكيفية شعورك أنت، بصفتك مُشاهداً، في تلك اللحظة. هذا نبحث عنه حقاً في الفن".
يُضيف غراي: "(الفكرة الأساسية) أن نرى ما في داخل شخص آخر، ونفهم مشاعره إزاء موضوع لم يخطر ببالنا أبداً. السرد القصصي؟ إنه أداة نستخدمها منذ فجر التاريخ لخلق معنى لذاك الفضاء. هذا فنّ يتطلّب جهداً".