جيري سبرينغر... مسرح الجريمة يتحوّل إلى سيرك

13 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
رحل جيري سبرنغر عام 2023 عن 79 عاماً (نتفليكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يقدم الوثائقي "جيري سبرينغر: عراك، كاميرا، أكشن!" تحليلاً لبرنامج جيري سبرينغر، موضحاً كيف تحول من عرض حواري فاشل إلى سيرك إعلامي يستغل الضيوف من الطبقة العاملة.
- يبرز دور المنتج ريتشارد دومينيك في زيادة العنف لرفع المشاهدات، مما أدى إلى أحداث مأساوية، ويكشف تأثير البرنامج المدمر على حياة المشاركين.
- يعمق الوثائقي التحليل بشهادات ضيوف سابقين، ويعرض محاولات جيري سبرينغر الفاشلة لتبرير الانزياح الأخلاقي، محاكماً المشاهدين الذين فضلوا الترفيه على حساب الأخلاق.
ببراعةٍ تحمل بصمةَ صانع أفلامٍ مخضرم، يطلُّ المخرج البريطاني لوك سيويل، صاحب الفيلم الوثائقي "لا تثقوا بأحد: مطاردة ملك العملات الرقمية" Trust No One: The Hunt for the Crypto King، من جديد بعملٍ وثائقي عن برنامج تلفزيوني يُعتبر الأسوأ في التاريخ، وفقاً لمذيعِه نفسه. سيويل ليس غريباً عن قصص الانهيار الأخلاقي. ينسجُ في عمله الجديد "جيري سبرينغر: عراك، كاميرا، أكشن!" Jerry Springer Fights, Camera, Action، الذي صدر أخيراً (منصة نتفليكس)، سرداً لا يهادن. طوّر سيويل أسلوباً يجمع بين لقطات الأرشيف وإعادة التمثيل الدرامي، وهنا يستخدم الأدوات نفسها، ليكشف القناع عن آلة جيري سبرينغر الإعلامية، التي التهمت كلّ من اقترب منها من ضيوف ومنتجين ومشاهدين.
العمل ليس مجرد وثائقي، بل تشريحٌ لوحشٍ ثقافي حوَّلَ الكراسي الطائرة والعِراك والتعري إلى عملة نقدية في سوق الترفيه. بدأت الحكاية عام 1991 ببرنامجٍ حواريٍ نهاريٍ فاشل، تحوَّلَ بفضل عبقريّة المنتج ريتشارد دومينيك إلى ما يشبه الكولوسيوم الروماني الحديث، حيث الجمهور يتلذّذ بدماء الضعفاء. والفكرة هي من نوع السهل الممتنع: كلما زاد العنف زادت المشاهدات.
جيري سبرينغر (السياسي السابق) هو المقدم لأحد أخطر التجارب الإعلامية في التاريخ الحديث. سيركٌ مفلسٌ أخلاقياً، لا أُسود فيه، حوّل الضحايا إلى بهلوانات، والإنسانية إلى سلعةٍ رخيصة. الوثائقي يكشفُ آلية إنتاج الحلقات. أهم شيء في البرنامج هو الضيوف، ومعظمهم ينحدرون من مثلث سبرينغر المكون من ولايات ميسيسيبي وجورجيا وأوهايو؛ أي أنهم من الطبقة العاملة ومستوى تعليمهم متدنٍّ. يُنقلون إلى الاستوديو بسيارات الليموزين، ويقدم لهم الخمر الفاخر، قبل الصعود إلى المنصة. على المنصة، يُحوَّلون إلى دمى في أيدي منتجين، مثل توبياش يوشيمورا وميليندا ميلي. لو وضعنا عنواناً لحلقة ما مثل "تزوجت حصاناً"، فلن يستطيع المشاهد تغيير القناة. هكذا يشرح دومينيك بفخرٍ فلسفته التي أطاحت بأوبرا وينفري من عرشها. تدرّب الضيوف على ترديد شتائم محددة. والجمهور يُستفَزُّ ليهتفَ وكأنه في حلبة مصارعة.
العمل المكون من حلقتين، يقدِّم ريتشارد دومينيك لنا كعبقري شرير لا يجد شيئاً ليعتذر عنه، بل يتباهى بصناعة التاريخ، حتى ولو كان تاريخاً مُلوثاً بالدماء. لم تكن كل حلقات برنامج سبرينغر مُجرَّد تفاهة وتسلية؛ ففي حلقة "مواجهة العشيقة السرية"، تحوَّل الشجار بين زوجتين إلى مأساة، إذ قُتلت واحدة منهن على يد زوجها السابق بعد ساعات من بث الحلقة. يظهر ابن الضحية وهو يروي كيف دمَّرَ البرنامج حياتهم. بينما يُنكر دومينيك أي مسؤولية، وسبرينغر ظلّ يلبس قناع الرجل اللطيف، حتى رحيله عام 2023.
يتحول الحلم الأميركي إلى كابوس في حلقة "كو كلوكس كلان" (KKK)؛ إذ وُضِع متطرّفون بيض ضدّ نشطاء يهود. حينها، لم يحدث حوار بين الجماعتين، بدأ العراك مباشرةً. الكنيسة والنقاد والمنظمات المجتمعيّة هاجموا العرض، لكنَّ الرقم السحري (12 مليون مشاهدة) كان أقوى من أي صوتٍ أخلاقي. التلفزيون الذي تحصل عليه هو التلفزيون الذي تستحقه؛ هذه قناعة سبرينغر الذي توقف بث برنامجه عام 2018 بعد ما يقارب أربعة آلاف حلقة. يمثّل هذا البرنامج نذير شؤمٍ لعصر الإنترنت، فالفوضى أعمق، والاستغلال أقسى.
لا يكتفي الوثائقي بكشف الآلية الوحشية للبرنامج، بل يُعمّق التحليل لاستكشاف التناقض الصارخ بين ضحايا العرض وأبطاله المزيفين، ذلك من خلال شهاداتٍ نادرة لضيوف سابقين تحوّلوا إلى منبوذين على هوامش المجتمع. يفضح الوثائقي الوهم الكبير؛ فبينما كان الجمهور يصفق للفضائح، كان المشاركون يدفعون ثمنَ 15 دقيقة من الشهرة بدوامةٍ من العزلة والندم.
تُظهر لقطاتٌ لسبرينغر خلف الكواليس محاولاته الفاشلة لتبرير الانزياح الأخلاقي كمجرد تسلية في تناقضٍ صارخٍ، مع دموع المنتجين الذين اعترفوا لاحقاً بتجريد الضحايا من إنسانيتهم. وهكذا تحول الوثائقي بحنكة مخرجه إلى محاكمة لكلّ مشاهدٍ أغمض عينيه عن الجريمة مُقابل تذكرة دخولٍ إلى السيرك.