"ثريا حبي" لنيكولا خوري: بوح امرأة تلتقطه الكاميرا بشفافية
استمع إلى الملخص
- يتناول الفيلم بوح ثريا الصادق عن حياتها الشخصية والمهنية، بما في ذلك تجربتها في فيلم "حروب صغيرة" ورغبتها في الإنجاب، ويُظهر مشاعرها المتنوعة في جلسات تشبه "غرفة الاعتراف".
- يتميز الفيلم بجمال الاعتراف والتصوير السلس، مع لحظات حميمة ومعبرة، مما يجعله تجربة بصرية غنية بالتناقضات والمشاعر العميقة.
صوتٌ غاضبٌ في بداية نصٍّ، ترويه امرأة عن ذاتها وروحها وانفعالاتها وتفكيرها، ويُصوّره شابٌ يبحث، في ماضٍ غير بعيد، عن تفاصيل سيرة وعلاقة، يطغى عليهما الذاتيّ، رغم أنّ ثقوباً قليلة توهم بخروج إلى محيطٍ، أبرز تمثّلاتها (الثقوب) حاضرة في كلامٍ تقوله المرأة نفسها عن ذاك الخارج، بنظرته إليها شريكة "سينمائي عبقري".
الصوت ذاك، الذي يتبيّن سريعاً أنّه لثريا بغدادي، رغم معرفةٍ مسبقة بشخصية صاحبة الصوت، وفقاً لـ"ثريا حبي" (2025، 77 د.)، الوثائقي الجديد لنيكولا خوري، سيكون المرآة الأجمل التي تكشف، بصدق انفعال وجمال بوح، أشياء من ذاتٍ وحكاية وتاريخ وذاكرة، غير معروفة (الأشياء) لكثيرين وكثيرات، بل ربما للجميع. فثريا خوري، راقصة الباليه المنتسبة إلى فرقة كركلا عام 1975، ستُؤدّي الدور الأول في "حروب صغيرة" (1982) لمارون بغدادي، الذي يختارها لهذا الدور بعد لقاء بها في تمارين لها مع فرقة كركلا، والذي يُصبح شريكها في الحياة، رغبة منه في أنْ تُنجب له أولاداً، كما تقول ثريا في الوثائقي، المعروض للمرة الأولى دولياً في مسابقة الدورة 46 (12 ـ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
يستحيل اختزال ما تبوح به امرأة عنها، جسداً وروحاً ومشاعر وتفكيراً، في "غرفة اعتراف"، غير منغلقة، مادياً ومعنوياً، كتلك المعترف بها في الكنيسة. فجلوس ثريا أمام شاشة الكمبيوتر، في كلامها الكثير مع نيكولا، يُشبه إلى حدّ كبير ما يحصل في تلك الغرفة، باستثناء علانية البوح، في محاولة صادقة لقول ما يُثقل على المرء، أو ما يرغب المرء في قوله لتوضيح أو كشف أو تعرية أو تنفيس.
يستحيل اختزال ما ترويه ثريا (خوري؟ بغدادي؟ الاثنتان معاً؟) باللغة الفرنسية، وفي نبرة صوتها مرارة وتعب وتوق إلى اعتراف ربما يكون متأخراً، لكنّ هذا التأخّر غير مهمّ، فالأهمّ أنّ المرأة تبوح بذاتها أمام كاميرا (تصوير آلان دونيو) منجذبة إليها. ففي حضور ثريا جاذبية محبَّبة، وفي اعترافاتها سحرٌ يصنع من كل كلمة مرآة صادقة وشفّافة، والدليل إلى هذين الصدق والشفافية كامنٌ، أساساً، في تلك النبرة المتنقّلة بين غضب وتوتر وانفعال، وسكينة (أو ما يُشبهها) وضحك (غير متحرّر كلّياً من سخرية ومرارة)، ورغبة في استعادة الذات كلّياً من ثقل ماضٍ وذاكرة.
أيكون المكتوب سابقاً إسقاطاً شخصياً، منبثقاً من مشاهدة "ثريا حبي"؟ هذا يحصل غالباً. لكنّ الإسقاط متأتٍ من تنبّه إلى ما يُقال ويُروى (ثريا)، وإلى المرغوب في إنجازه (نيكولا)، مع هامشٍ يُتيح قراءة هذا كلّه، من خارج هذا كلّه.
غير أنّ نقاطاً تُحدِّد، ربما، بعض المروي في سيرة ثريا خوري، على لسان ثريا بغدادي، التي (بغدادي) ستكون جزءاً أساسياً في صُنع الوثائقي، لعدم اكتفائها بأنْ تكون حكاية مروية، أو راوية حكاية عنها ومنها ولها، وإنْ على لسانها، فتشارك في الكتابة (مع رسائل لمارون بغدادي) والإنتاج (مع مارين فايان وآية البلوشي، علماً أنّ الإنتاج لجانا وهبه)، وهذا غير عابرٍ. في الملف الصحافي، تقول عن الدافع إلى خوضها تلك الرحلة السينمائية، وعن الحاجة الشخصية أو الفنية التي ترغب في تحقيقها عبر تلك الرحلة، إنّها، في الشهر الأخير من عام 2021، تتواجد في لبنان لورشات خاصة بها، وللمشاركة في عرض "تسعون" (1978) لمارون بغدادي. تُصاب بكورونا، فتنعزل في منزل والديها (والدها فيكتور خوري، قائد سابق للجيش اللبناني) بعمشيت. يتصلّ بها نيكولا خوري: "لا أزال أتذكّر تلك المحادثة الأولى. فضوله الهادئ واحترامه جعلاني أشعر بالأمان والانفتاح. في تلك اللحظة، أدركت أنني وجدت ما يشبه مساحتي التجريبية، فضاء جميلاً للاكتشاف والتعبير". تُضيف أن شيئاً يبدأ كمحادثة بسيطة يتحوّل تدريجياً إلى "رحلة أعمق نحو الترميم الذاتي"، فهي تحاول حينها إصلاح خيوط حياتها، وإعادة صوغ نفسها بطريقة ما.
لذا، ولكونه بوحاً جميلاً ودافئاً وجاذباً وقاسياً وحقيقياً، يُشاهَد "ثريا حبي"، لإدراك بهاء الاعتراف بلغةٍ مبسّطة، وتصوير سلس، وأرشيفٍ قليل كي لا يطغى على الأصل (سرد الحكاية). والمرأة، إذْ تُعلن تناقضات في مشاعر وتفكير، تجعل تلك التناقضات مساحة رحبة للكشف والاعتراف: تحبّ، لكنها تغضب من مسائل كثيرة تعانيها في عيشها 12 عاماً رفقة زوج، سيكون سينمائياً فاعلاً في المشهد الدولي، لكنّه لن يتمكّن من صُنع "يوميات عيش" معها.
هذا جزءٌ بسيط من بوح مفتوح على داخلٍ مُحمّل بالكثير. نيكولا خوري مُكتفٍ بالتقاط نبض هذا البوح، ودهاليزه القاسية، وهذا وحده مهمّ وجميل، ففي التقاطه هذا لحظات حميمة ومُعبِّرة عن أشياء كثيرة، بعيداً عن السرد المباشر، وهذا أيضاً مهمّ وجميل.