تساؤلات عن "على حافة البركان": توثيق لحظة متكرّرة

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:00 (توقيت القدس)
مونية عقل وصالح بكري: مشاهد متكرّرة (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- برنامج "التقطها مُجدّداً" في "سينما متروبوليس" عرض 14 فيلماً لبنانياً بين 2019 و2025، مسلطاً الضوء على التحديات التي تواجه صناعة السينما في لبنان.
- فيلم "على حافة البركان" لسيريل عريس يُبرز التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعرقل صناعة الأفلام، ويعكس الصراع بين الحداثة والواقع المحلي.
- الفيلم يثير تساؤلات حول الهوية واللغة، مع استخدام اللغات الأجنبية في الحوارات، ويختتم بتساؤل حول العلاقة بين اللبنانيين وبلدهم.

عرض برنامج "التقطها مُجدّداً"، في نسخته الأولى (8 ـ 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، والمُقام في "سينما متروبوليس"، والمتضمّن 14 فيلماً لبنانياً (2019 ـ 2025)، الوثائقي "على حافة البركان" (2023، عنوانه الإنكليزي: رقص على حافة البركان)، لسيريل عريس. الاحتفاء خاص بالفيلم اللبناني مُستحقّ، نظراً إلى كمية الأفلام التي أنتجها لبنان في ظروف غير داعمة للسينما، وللفن عامة. فأي فيلمٍ لا يبدأ رحلته من سيناريو وشركة إنتاج سينمائي تُموّل المشروع، بل من رحلة أخرى: البحث عن الدعم والتمويل اللذين تتبنّاهما وتديرهما شركة إنتاج محلية. الرحلة مضنية على صانعي الفيلم الذي يرتهن لإشارة اكتمال التمويل وكفايته، والبدء، بشوق وتوجس، بتحقيق حلم إنجازه، انطلاقاً من استطلاع أماكن التصوير، واختيار الممثلين، فالعمليات الفنية (مونتاج، مكساج... إلخ)، عمليات مُضنية تذهب بالفيلم إلى الشاشة.

لعل هذه المفردة (المضنية) فكرة تأسيسية لفيلم عريس، الذي بدا مُرافقة بصرية لإنجاز "كوستا برافا" (2021) لمونية عقل. فالقلق والتوتر والتوجس والسباق مع الزمن ترافق صناعة الفيلم، وهذا يستحق الشهادة بالتوثيق، مهما كان نوعه. لكن الفكرة اللامعة الأخرى، التي زاوجها المخرج برصده البصري لهذه الرحلات المضنية، كامنةٌ في ربطه صنع فيلم محلي (كوستا برافا مثالاً) بالأوضاع المحلية العامة، وتاريخ هذه الأوضاع المتكرّرة، في أي محاولة للإنجاز. كأن الواقع المحلي في صراع قدري تراجيدي مع الحداثة، المتمثلة في صنع فيلم، جزء من سردية ثقافية لأي بلد.

هذه المزاوجة الذكية، كالتقاط ثقافي من الواقع، صنعت الحكاية التي قدّمها "على حافة البركان": تعرقل إنجاز "كوستا برافا"، ليس بسبب الرحلات المضنية التي قطعها لبلوغ الإنجاز، بل بسبب وضع عام، يؤثّر في الناس، وفي أصغر إمكانات عيشهم. بدا أن صنع فيلم، كحلم شخصي، ترفٌ لا بُدّ منه. إنه أيضاً من الحقوق العادية للناس، وربما الصغرى أيضاً، من دون الإشارة إلى مسؤولية أحد. فما يحصل في هذا البلد، الذى تتعرقل مشاريعه، ليس في وارد أحد ضمان عدم تكراره، من الحرب الأهلية اللبنانية، التي وثّق عريس ملامحها، بتطعيم فيلمه بلقطات من "همسات" (1980) لمارون بغدادي، مُستعيداً تاريخ عرقلة الحياة، ومنع الحداثة، عبر كلمات الشاعرة ناديا تويني، الآسفة على مدينتها ومدنيتها، منتقلاً إلى حروب مشابهة لكنها أقل عمومية، التي عرقلت صنع "كوستا برافا"، بدءاً من انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/آب 2020)، والأزمة المالية ـ النقدية المؤثّرة في الإنتاج، وأزمة الكهرباء.

 

 

هذه كلّها تؤثّث فضاءات "على حافة البركان"، الذي يرصد ويترصد وقائع فعل، يُفترض به أنْ يكون عادياً في عالم الحداثة. هذا الفعل، الذي استغرق فيلماً وثائقياً كاملاً لرصد صعوبات ممارسته، من دون النظر إلى نتائجه (الفعل)، وصدى المُنجز نقدياً وتسويقياً. كأن الفيلم صار إلى ما قبل عرضه.

تلاحق كاميرا عريس وقائع عمليات صنع "كوستا برافا"، راصدة ردود أفعال صانعيه وقلقهم وارتباكاتهم. تلتقطهم في لحظات شخصية مؤثرة، لا تبعتد كثيراً عن الافتعال. فالمرء أمام الكاميرا مُختلفٌ تماماً من دونها. هنا، يبرز تساؤل: هل هذا الوثائقي عن "كوستا برافا" وحده؟ أهذا مُنتج إعلامي جانبي، بُني على مواد سينمائية ستصبح متروكة لو لم يستخدمها أحد كمواد "مايكينغ أوف"؛ أم أنه فيلم مبني عن سابق تصور وتصميم، خاصة أن صنع "كوستا برافا" تعرّض لعراقيل يمكن أن يتعرّض لها أي فيلم، فليس لهذا الفيلم أي استثنائية من هذه الناحية؟

لعلّ هذه الخصلة (عدم الاستثنائية) سبب التطويل والإطناب غير المجدي، فهناك مشاهد متكررة عدّة، كمشاهد الممثل صالح بكري، والطفلتين جيانا وسيانا رستم، والمخرجة مونية عقل. هذه وغيرها لقطات طويلة للغاية، إضافة إلى إهدار فرصٍ لاختتام الشريط العتيد، سنحت لصانعه خَتْمه بأقلّ مدة ممكنة. فالإطناب والتكرار يؤدّيان إلى ثرثرة، وإنْ كانت بصرية. هذا يؤدّي عادة إلى إسقاط الكثير في محاولات تذكّره، فالإزدحام الحكائي لا يبدو مفيداً في حالات السرد البصري، تحديداً.

ملاحظة أخيرة، لا تشكّل موقفاً من استخدام اللغات الأجنبية في الحوارات. لكن الفيلم، الذي يعجّ بها، قٌدّم للناس على أنه فيلم لبناني. الدخول في مهاترات الواقع اللغوي لا يفيد بشيء، لكن الترجمة الإنكليزية له (لا اللبنانية) تثير تساؤلاً: لمن يُقَدّم هذا الفيلم؟ الإجابة ربما توقع الفيلم نفسه في اللاجدوى، أو في تزييف الاهتمام بالقضايا المطروحة فيه، وأهمها فقدان حساسية التوجّه إلى مشاهدين، مُهمّ التأثير بهم. أمْ أنه مجرّد نزوة إبداعية مترفة، احتضنتها شركة إدارة إنتاجات فيلمية؟ فأي فيلم يُنتج للعموم، ويُسهَّل عرضه ومشاهدته، جزء لا يتجزأ منه.

يختصر "على حافة البركان"، بل ربما يُكثّف مقولة: "نحن نحب بلدنا، ومتعاطفون مع أوجاعه. لكن، هل البلد يُحبّنا؟". هذا تساؤل عبثي، يطرح غالباً من زوايا ضيقة يصعب تعميمها أو تنميطها. فكل الوقائع المعروضة في الشريط، كأدلة على ارتباط العام بالخاص، لم تفلح في إزالة التخصيص عن الـ"مايكينغ أوف"، لفيلم قيد التنفيذ. عدا آلاف الحالات المعرقلة لأفعال حياتية، خطورتها أعلى بكثير من توقّف فيلمٍ عن التصوير.

المساهمون