استمع إلى الملخص
- كشف تحليل موقع مسبار عن تزامن الخطاب التحريضي مع نشر مزاعم مضللة، مثل الادعاء بأن فلسطينيين حاولوا اقتحام أراضي مستوطنة، بينما وثقت الصحافية سندس علي اعتداءات الاحتلال على المشاركين.
- تتواصل حملات التحريض بتصوير موسم الزيتون كخطر أمني، مع توثيق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لأكثر من 259 اعتداءً، مما يشير إلى محاولة إسرائيلية لإعادة صياغة صورة المزارع الفلسطيني.
يتزامن موسم قطف الزيتون في فلسطين سنوياً مع تصاعد الحملات التحريضية ضد المزارعين الفلسطينيين، لتتحول هذه المناسبة إلى ساحة مواجهة إعلامية وميدانية. إذ لا تقتصر الاعتداءات على الأرض فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تنتج حسابات ومنصات إسرائيلية محتوى منظّماً يهدف إلى نزع الشرعية عن المزارعين، وتصوير نشاطهم بوصفه "تهديداً أمنياً" أو "تعدياً على ملكيات خاصة".
يُظهر تحليل أعدّه موقع مسبار لتقصي الحقائق أن هذا الخطاب التحريضي، الذي تشارك فيه جهات يمينية إسرائيلية، تزامن مع نشر مزاعم ومقاطع مصوّرة مضللة، أبرزها ما نُشر في 20 أكتوبر/تشرين الأول عبر حسابات إسرائيلية ادعت أن "مثيري شغب من السلطة الفلسطينية" حاولوا اقتحام أراضي مستوطنة قرب قرية نزلة الشرقية شمالي طولكرم. إلا أن التحقق الذي أجراه الموقع كشف أن الحدث كان فعالية رسمية لقطف الزيتون نظمتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة طولكرم ووزارة الزراعة ومجلس البلدة، في إطار حملة الزيتون لعام 2025.
الصحافية سندس علي، التي وثقت الفعالية لصالح تلفزيون المدينة، أكدت أن قوات الاحتلال أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة على المشاركين بزعم أن المنطقة "عسكرية مغلقة"، مشيرة إلى أن الاعتداء جرى قرب بؤرة استيطانية رعوية ملاصقة لمستوطنة "حرميش". وأوضحت أن المزارع الذي ظهر في الفيديو المتداول، عبد الخالق ناصر، كان يبكي لحرمانه من دخول أرضه التي تتعرض منذ سنوات لاعتداءات المستوطنين، شملت سرقة معداته وحرق شبكات الري.
وفي سياق متصل، وثقت وسائل إعلام فلسطينية اعتداءات مشابهة في مناطق أخرى من الضفة الغربية، منها إطلاق نار وقنابل غاز على مزارعين ومتضامنين في بيت لحم والخليل وطولكرم، فيما أكد نائب محافظ طولكرم فيصل سلامة أن هذه الاعتداءات "تتكرر سنوياً لمنع الفلسطينيين من قطف ثمارهم وفرض وقائع استيطانية جديدة". كما صرّح رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، بأن "قوات الاحتلال فضّت الفعالية بالقوة منذ بدايتها"، وأكد أن المشاركين لم يقتربوا من أي مستوطنة.
ورصد "مسبار" مزاعم إسرائيلية متكررة بأن موسم الزيتون يمثل "خطراً أمنياً"، كان آخرها منشورات حركة "إم ترتسو" اليمينية المتطرفة التي دعت إلى إلغاء الموسم في المناطق القريبة من المستوطنات، بحجة أن الفلسطينيين "يستغلونه لتنفيذ عمليات إرهابية". كما نشرت الحركة عرائض رقمية ولافتات تحذر من "المذبحة القادمة"، في ربط مباشر بين النشاط الزراعي والمواجهة العسكرية. وتواصلت حملات التحريض مع اتهامات طاولت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان نفسها، إذ زعمت حسابات إسرائيلية أن الهيئة "تثير التوتر" وتتحرك بين القرى الفلسطينية لـ"مواجهة الجيش والمستوطنين"، وهو ما نفاه "مسبار" بعد تتبع أنشطتها الرسمية. وأكدت الهيئة أن فعاليتها في إذنا في محافظة الخليل جرت في 12 أكتوبر، وليس في 20 منه كما تدعي تلك الحسابات، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال صادر خلالها معدات المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم القريبة من مستوطنتي "أدورا" و"تيلم".
وفي تقرير بثّته القناة الإسرائيلية 14، اتُهمت الهيئة ورئيسها مؤيد شعبان، إضافة إلى ناشطين مثل عبد الله أبو رحمة ومنذر عميرة، بأنهم "منظمو مواجهات"، في محاولة لإعادة تأطير مشاركتهم المدنية بوصفها "تحركات عدائية". واعتبر التقرير أن موسم الزيتون "يُستغل من ناشطين فلسطينيين للاقتراب من المستوطنات بأساليب عنيفة"، في سردية إعلامية متكررة تسعى إلى تصوير النشاط الزراعي الفلسطيني غطاءً للعمل الأمني.
غير أن البيانات الميدانية الرسمية تظهر عكس ذلك تماماً. إذ وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حتى 28 أكتوبر أكثر من 259 اعتداءً ضد قاطفي الزيتون منذ بدء الموسم، منها 218 نفذها مستوطنون و41 نفذها جيش الاحتلال، وشملت الاعتداءات الضرب والمنع من الوصول والاعتقال وإطلاق النار المباشر. كما سجلت الهيئة 125 حالة اعتداء على الأراضي المزروعة، بينها قطع وتجريف أكثر من 1070 شجرة زيتون.
ويشير هذا النمط المتصاعد من التحريض، بحسب "مسبار"، إلى محاولة إسرائيلية متعمدة لإعادة صياغة صورة المزارع الفلسطيني من رمز للأرض والصمود إلى "مشتبه به أمني"، في إطار حملة سياسية وإعلامية منظمة تبرر الاعتداءات وتمنحها غطاءً خطابياً. فالزيتون، الذي ظل لعقود رمزاً للسلام والارتباط بالأرض، يتحول في الرواية الإسرائيلية الجديدة إلى ذريعة أمنية لاستكمال مشروع السيطرة على الأرض، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية تحت غطاء "مكافحة الإرهاب".