"بي بي سي"... اتهامات من كلّ الجهات

25 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:54 (توقيت القدس)
سمير شاه يصل لتقديم إفادته، 24 نوفمبر 2025 (توبي شيبيرد/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اعتذر رئيس "بي بي سي" عن تأخر الاعتراف بتوليف مضلل لخطاب ترامب في وثائقي، مما أدى إلى استقالة مسؤولين وتهديد ترامب بدعوى قضائية.
- خلال جلسة برلمانية، واجهت "بي بي سي" اتهامات بالتحيز السياسي، مع استقالة عضو مجلس الإدارة بسبب مشكلات الحوكمة، ونفي وجود انحياز مؤسسي.
- تزامنت الجلسة مع احتجاجات تتهم "بي بي سي" بالتحيز ضد الفلسطينيين، ومطالبة بإقالة عضو مجلس الإدارة روبي غيب بسبب تضارب المصالح.

 

وسط الاتهامات بالانحياز الليبرالي، وتحت تهديد بدعوى قضائية يلوّح بها الرئيس الأميركي، عاد رئيس هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ليعتذر الاثنين أمام لجنة برلمانية بريطانية عن الفشل في الإقرار سريعاً بعملية توليف مُضلِّلة لخطاب دونالد ترامب بثّ ضمن شريط وثائقي أنتجه برنامج "بانوراما"، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أنّ المؤسسة تحولت ظلماً إلى "كرة يتقاذفها السياسيون".

وقال رئيس مجلس إدارة "بي بي سي" سمير شاه، للجنة الثقافة والإعلام والرياضة المكلّفة بمراقبة المؤسّسة المموّلة جزئياً من المال العام: "هناك عاصفة حقيقية حول هذه المسألة، والناس يستخدمونها ذريعة لانتقاد بي بي سي". وأضاف شاه، متسائلاً عن سبب التأخر سبعة أيام قبل تقديم الاعتذار عن دمج أجزاء من خطاب ترامب الذي يعود لعام 2021 بطريقة مضلّلة: "نحتاج بالفعل إلى معرفة سبب استغراق الأمر كل هذا الوقت. فكلما طال التأخير، تحوّل الموضوع أكثر إلى كرة سياسية يتقاذفها الجميع".

بعد ثلاثة أسابيع على الكشف عن الخطأ في الوثائقي، والذي أدخل "بي بي سي" في أزمة أدت إلى استقالة مسؤولين رفيعين ودفعت ترامب إلى التلويح بدعوى قضائية، واجه شاه وعضو مجلس الإدارة روبي غيب أسئلة صعبة حول دورهما في هذه الأزمة. لكن من كانوا ينتظرون تفسيرات واضحة لشلل المؤسسة في التعامل مع الأزمة، أو كشفاً كاملاً للخلافات داخل مجلس الإدارة، خرجوا بخيبة أمل.

وأبلغ عدد من مسؤولي "بي بي سي" صحيفة نيويورك تايمز أن مجلس الإدارة أوقف خطة وضعتها الإدارة الإخبارية للاعتذار الفوري عن الخطأ فور ظهوره، وعندما سُئل شاه عمّا إذا كان بالإمكان تفادي استقالة المدير العام تيم ديفي ورئيسة الأخبار ديبورا تيرنس لو كان تحرك "بي بي سي" أسرع، قال: "هذا افتراض لا يمكنني الإجابة عنه". وخلال اجتماع عام مع الموظفين، تساءل بعض الموظفين عن كيفية تقديم روبي غيب نفسه بوصفه "قيّماً على الحياد"، وهو الذي شغل سابقاً منصب رئيس الاتصالات لدى رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي، وساعد في تأسيس قناة جي بي نيوز اليمينية الشعبوية. وعندما سئل غيب أمام اللجنة عن الاتهامات بأنه "دبّر انقلاباً داخل بي بي سي" في محاولة لتخليصها ممّا وُصف بالانحياز اليساري، وصف الأمر بأنه "هراء تام" و"وهو أيضاً إهانة كبيرة لبقية أعضاء المجلس".

من جانبه، قال المستشار الذي أعدّ المذكرة المسرّبة التي حدّدت الخطأ التحريري في الوثائقي، مايكل بريسكوت، أمام اللجنة، إنه يعتقد أن قيادات التحرير في "بي بي سي" تعاني "ثقافة دفاعية" أعاقت قدرتها على التعامل مع الأزمة. لكن كارولاين دانيال، التي شهدت إلى جانبه وعملت أيضاً مستشارة تحريرية للمجلس، اختلفت معه قائلة: "بي بي سي تأخذ واجبها بالحياد على محمل الجد"، وأضافت: "هل كانت المؤسسة مستعدة لنقاش حقيقي واتخاذ قرارات؟ برأيي نعم". ونفى بريسكوت أن تكون "بي بي سي" تعاني من انحياز مؤسّسي قائلاً: "الكمّ الهائل من عمل المؤسّسة عالمي المستوى"، لكنه أردف: "خلافي الجذري، وقلقي حتّى هذه اللحظة، هو أن المؤسّسة لم تتعامل مع ما حدث باعتباره مسألة ناتجة من أسباب منهجية. وآمل تغير ذلك".

وسجّل الاستماع أمام البرلمان أول تصريحات علنية من شخصيات أساسية في الأزمة، بينها غيب وبريسكوت، علماً أن توظيف الأخير مستشاراً خارجياً جرى بتشجيع من غيب، وفقاً لمسؤولين في المؤسسة. وقال بريسكوت، الصحافي السابق ومستشار الاتصال المؤسسي لسنوات طويلة، إنه صديق قديم لغيب، لكنه رفض بشدة فكرة أنه مدفوع بأجندة محافظة، قائلاً: "لست توأماً أيديولوجياً لروبي غيب"، مضيفاً أنه يعتبر نفسه "أباً وسطياً".

وكان ترامب هدّد بمقاضاة "بي بي سي"، مطالباً بتعويضات تتراوح بين مليار وخمسة مليارات دولار، من دون أن يرفع الدعوى بعد. ورجح محاميه أليخاندرو بريتو أن تُرفع الدعوى في ولاية فلوريدا، وهو أمر قد يواجه عراقيل، لأنّ مسؤولي "بي بي سي" لا يعتقدون أن الوثائقي عُرض داخل الولايات المتحدة.

وتجاوز الجدل حول "بي بي سي" حدود عملية تحرير منفردة، إذ بات يتعلق باتهامات بالتحيّز من اليمين واليسار، وبحملة مستمرة من مؤسسات إعلامية منافسة ترى أن "بي بي سي" تعيق المنافسة، وغالباً ما تتحول "بي بي سي" إلى ساحة لمعركة ثقافية أوسع في بريطانيا. واستغل عدد من النواب تصريح بريسكوت بأنه عندما شاهد الوثائقي عن ترامب للمرة الأولى توقع أن تبث "بي بي سي" مادة "بالقدر نفسه من الحدة" عن المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، وسألوا: كيف يمكن إنتاج وثائقي مماثل عنها، بالنظر إلى دور ترامب في الأحداث التي أدت إلى اقتحام مبنى الكابيتول؟

وبرزت أيضاً مؤشرات على وجود خلافات داخل مجلس الإدارة. فيوم الجمعة، استقال أحد أعضائه، شوميت بانيرجي، مشيراً إلى "مشكلات في الحوكمة" ومؤكداً أنه لم يُبلَّغ بالتطورات التي سبقت استقالة ديفي وتيرنس. لكن شاه نفى ذلك قائلاً إنه أجرى مكالمة استمرت 26 دقيقة مع بانيرجي بينما كانت الأزمة تتصاعد، وأضاف أنه اقترح الصيف الماضي تنحي بانيرجي عن منصبه، معبّراً عن "خيبة أمله" من تصريحاته.

وبعد جلسة الاستماع هذه، شككت رئيسة لجنة الثقافة والإعلام والرياضة في البرلمان البريطاني، كارولين دينيناج، في ما إذا كان مجلس إدارة الهيئة البريطانية في "أيدٍ أمينة" تحت قيادة سمير شاه، في تصريحات أدلت بها لبرنامج "العالم الليلة" على "بي بي سي"، وشدّدت على قلقها بشأن نقص السيطرة الفعلية في قلب حوكمة المؤسّسة، مشيرة إلى غياب شعور قوي بالتحكم في إدارة الأزمة، كما سلطت هيئة التنظيم البريطانية أوفكوم الضوء على المشكلات التحريرية في "بي بي سي"، إذ قالت رئيستها ميلاني داوز إن المؤسّسة واجهت "مشكلات جدية أخيراً في اتخاذ القرارات التحريرية"، ونبهت أن على المجلس العمل العاجل لتصحيح ذلك.

ووفقاً للشهادات، فإنّ "بي بي سي" تعمل على تعيين مدير عام جديد، وسمير شاه يسعى لاستحداث منصب نائب للمدير العام، لأن المهمة "كبيرة جداً على شخص واحد"، كما أعلن أنه سيجري مراجعة عمل لجنة إرشادات ومعايير التحرير لضمان امتلاكها الصلاحيات اللازمة، وتمثيل مجموعة واسعة من الأصوات، وإرساء مبدأ المحاسبة.

جلسة الاجتماع تزامنت مع تجمع متظاهرين أمام مقرّ "بي بي سي" في لندن احتجاجاً على تغطيتها لقضية ستة ناشطين مناصرين للفلسطينيين يخوضون إضراباً عن الطعام في المملكة المتحدة، وحمل المشاركون لافتات اتهموا فيها وسائل الإعلام بالصمت، داعين "بي بي سي" لإعطاء القضية مزيداً من المساحة في التغطية. منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، واجهت "بي بي سي" اتهامات متكرّرة بالتحيّز ضد الفلسطينيين، ونُظم أكثر من احتجاج أمام مقرها، كما تحدث موظفون فيها عن تعرضهم لمضايقات لتعاطفهم مع الفلسطينيين. وطالب أكثر من 400 صحافي وفنان وشخصية إعلامية بارزة، من بينهم ميريام مارغوليس وأليكسي سايل وجولييت ستيفنسون ومايك لي، إدارة "بي بي سي" بإقالة عضو مجلس إدارتها روبي غيب، على خلفية اتهامات بتضارب مصالح في ما يتعلق بتغطية الشؤون الفلسطينية. واتهم الموقّعون "بي بي سي" بأنها "مشلولة بسبب الخوف من أن تُتهم بانتقاد الحكومة الإسرائيلية"، وأشاروا إلى "الطريقة غير المتسقة لتطبيق الإرشادات التحريرية"، مُسلّطين الضوء على دور روبي غيب، بصفته عضواً في مجلس الإدارة ولجنة معايير التحرير.