بيتر كيريكش: "أصنع أفلاماً لأعرض على الجمهور ما في رأسي"

26 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:33 (توقيت القدس)
بيتر كيريكش في مهرجان فينيسيا 2024 مع "التمني على نجم" (زونينو تشيلوتو/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "التمني على نجم" للمخرج بيتر كيريكش يمزج بين الوثائقي والخيالي، حيث يتناول خمس قصص لعملاء يستشيرون المنجمة لوتشيانا لتحقيق التوازن في حياتهم عبر السفر أو خلق أجواء افتراضية.
- كيريكش اعتمد على شخصية لوتشيانا الفريدة في توجيه الشخصيات، مما أضفى طابعًا وثائقيًا حقيقيًا، واختيار البلدان كان بناءً على استشاراتها، مما أضاف عفوية وتحديًا للإنتاج.
- المونتاج المتقاطع خلق انتقالات رائعة بين المشاهد، وأضفى إيقاعًا خاصًا، ورغم عرض الفيلم في مهرجان فينيسيا، إلا أن ردود الفعل الإيطالية كانت إيجابية.

 

ينتمي "التمني على نجم" (Wishing On A Star) إلى أفلامٍ، تمنح المُشاهد شعوراً غامضاً بالسعادة. هذا عائدٌ إلى شكله الفريد، الذي يمزج الوثائقي بالتخييلي، لحشد إحساس غرائبي وغير مألوف بطاقة عالمٍ، نجوبه بعيون شخصيات تبحث عن معنى جديد لحياتها.

فيه، يصوّر المخرج السلوفاكي بيتر كيريكش خمس قصص لعملاء يستشيرون لوشيانا، منجِّمة إيطالية، فتنصحهم بمناسبة أعياد ميلادهم، وبناء على حسابات دقيقة تقوم بها، بسفر حقيقي إلى مدن بعيدة نسبياً (تايوان، بيروت، ريو دي جانيرو)، أو سفر افتراضي (باستحضار أجواء وجهة قاصية في مساكنهم، كما فعلت زبونة مع ألاسكا)، بغية تغيير طاقاتهم الداخلية، والعثور على حبّ أو وفاق في حيواتهم الزوجية، تحول علاقات عائلية متوتّرة أو مستحوذة دون العثور عليه، غالباً.

يبرع الفيلم (2024) في القبض على وضعيات درامية، تختلط فيها الفكاهة بنظرة عبثية، تنتهي بالنفاذ إلى عمق شخصيات تعيش على حافة الكآبة، من دون أنْ تأخذها جدّياً، ما يضفي عليها هشاشة أخّاذة، لا تخطئ طريقها إلى القلوب. وسيلة كيريكش إلى ذلك حسّ بصري أخّاذ في تكوين اللقطات، وإضاءة الفضاءات، ومونتاج ديناميكي يخلط بين القصص بانتقالات حمّالة لدلالات. النتيجة: شيءٌ فيلمي غير مُحدّد المعالم، يخترق الحدود بين الجغرافيات بالسلاسة نفسها التي ينتقل بفضلها بين الوثائقي والتخييلي، مُشهراً أوراقه فقط لـ"سلطة" الجمال والسينما.

هذا الحوار معه تناول مسار إنجاز الفيلم، منذ الفكرة إلى ظروف الإنتاج والتصوير، في تفاعل مع فرادة شخصية المنجِّمة لوتشيانا، ثم اختيارات مونتاج فاصلة، وغيرها.

 

(*) كيف تنطق اسمك: كيريكس أم كيريكش؟

كيريكش، كمراكش (يضحك). أنا مجري الأصل، لكني أنتمي إلى تشيكوسلوفاكيا

، التي أصبحت لاحقاً تشيكيا وسلوفاكيا، حيث نشأت. المجرية والسلوفاكية لغتان مختلفتان تماماً. لأني من الأقلية، يُطلق الأطفال دائماً نكاتاً عليّ. كيريكش ليس اسماً سلوفاكياً، بل مجريّ. الأطفال في الروضة يقولون لي: "أوه، كيريكش. اذهب إلى مراكش"، وها أنا هنا الآن (يضحك). إنه مكان جميل لتصوير فيلم.

 

(*) هناك أغنية لروز رويس بعنوان Wishing on a star. أكانت مرجعاً لعنوان فيلمك؟

نعم. لفترة طويلة، كان هذا العنوان مؤقّتاً. كنت أقول لنفسي: حسناً، سأجد عنواناً أفضل لاحقاً. لكني كنت أشعر كأنه زواج مدبَّر، بطريقة ما. اعتدت هذا العنوان إلى درجة أني قررت الاحتفاظ به.

 

(*) أهناك صلة بين الفيلم والأغنية؟

في الواقع، لا. ربما صلة بسيطة بمزاج الأغنية. كانت تتوفّر لديّ نسخة كاريوكي منها في تايوان. لكن، عندما فكرت في ما ستغنّيه باربرا، التي ذهبت إلى هناك، حسمت الاختيار في الأغنية المُحبّبة لوالدها. هذا أقوى بكثير في ما يخص القصة.

 

(*) بشأن مفهوم الفيلم. هناك في رأيي معالجة "ميتا"، تتمحور حول أهمية إرسال شخصيات إلى بلدان بعيدة، بغية منح بُعد كوني لطرحه. أهذا المفهوم الذي فكّرت فيه؟

الأكثر إثارة للاهتمام في الفيلم، عند البداية، المحادثات في مكتب لوتشيانا، لأنّ هذا شيءٌ عميق للغاية، وجوهر الفيلم. لكني أعلم أني لا أستطيع البقاء في المكتب الوقت كلّه، وأني في حاجة إلى وقت تكون فيه الشخصيات وحدها، لتفكّر في كلّ شيء يحيط بحياتها. أساساً، أفضل مكان تكون فيه وحيداً، عندما تكون خارج منزلك. لذا، اللحظات السينمائية والجميلة كلّها، والأحداث التي صوّرناها في تايوان وبيروت، ذريعة للتعمّق في أرواح الشخصيات الرئيسية.

 

(*) كيف اخترت البلدان التي توجّهوا إليها؟ هل تعكس تنويعاً من جهات مختلفة في العالم، أم هناك عناصر أخرى أخذتها بالاعتبار؟

الجميل في الأمر أني لم أختر. طلبت من لوتشيانا أخذ الاستشارة جدّياً، وألّا تتظاهر، وأنّ بإمكانها إرسال عملائها إلى أي مكان تريد. قلت لها: "لدينا منتج مشارك في البرازيل، لكنك حرة". مثير للاهتمام حقاً اكتشاف مختلف الأماكن التي قرّرت إرسال العملاء إليها. قلت لنفسي: "حسناً، أقبل ذلك. إنّه تحدٍّ جميل".

 

(*) كيف تمكنت من إدارة لوتشيانا؟ أضع "إدارة" بين مزدوجين. بتوجيهها، أمكنك توجيه شخصياتك الأخرى بصفتها العنصر المركزي. ماذا قلت لها قبل بدء التصوير؟

أمضيت وقتاً طويلاً معها في أثناء البحث. هناك مترجم نقل إلي كلّ ما تقوله مباشرة. ذكيٌّ جداً. لذا، كنت أعرف ما تتحدث عنه مع العملاء. لا يمكن في أي حال أنْ تملي على لوتشيانا ماذا تفعل. الأمر أشبه بترويض حيوان. لا يفعل الحصان البري أبداً ما تريده. لكن، يمكنكما القيام بأشياء معاً. كنت أشعر بالفضول حقاً إلى معرفة كيف تقود التواصل مع العملاء. لأنها في عملها، كالأشخاص المخلصين فيما يفعلون، تغدو ممثلة. لديها خمسة عملاء يومياً، ومن المحتَّم عليها أنْ تكون ممثلة. لكن، في حالتنا، كانت حرة فيما تقوله للعملاء، وإلى أين سترسلهم.

 

(*) هناك علاقات متوتّرة بين بعض الشخصيات: التوءمان مثلاً. أتخيّل أنّ الطابع الشخصي لبعض المحادثات بينهما شكّل مصدر صعوبة لك. كيف تمكنت من مزج الاقتراب، أو أخذ مسافة عنهما، في بعض اللحظات؟

مهمّ جداً أني لا أتحدث الإيطالية. لذا، كنت أعلم أنه يجب خلق موقف درامي، وفيه نصوّر 20 أو 30 دقيقة، ويحدث شيء بينهما بالتأكيد. إذا تركت التوءمين يتحدّثان معاً 30 دقيقة، فسيكون الأمر مُملاً في البداية، أو يُشبه أسلوب التلفزيون. لكن، بعد 15 دقيقة، يصبح الأمر أشبه بدراما نفسية. ثم، بعد 20 دقيقة، يبدآن بإظهار شخصيتيهما الحقيقيتين، وينشب جدل حقيقي بينهما. هذا الجزء مثير للاهتمام. الطريف أنك لا تحتاج إلى تحدّث اللغة لفهم ذلك. تراه لأنهما عندما يتظاهران أمام الكاميرا، تكتسي وجهيهما تعابير معينة. وعندما يبدآن الجدل حقاً، تلمع عيونهما، ويُبدي كلّ منهما شخصية مختلفة. عندما تفهم اللغة، يمكن خداعك بالكلمات. لكن العيون لا تكذب. لذا، جيدٌ جداً لي ألّا أتحدث الإيطالية.

لهذا علاقة بموسيقية اللغة. الإيطالية أجمل لغة في العالم، ورائع للغاية توليف الفيلم بناء عليها. تمنحك اللغة إيقاع المونتاج.

 

سينما ودراما
التحديثات الحية

 

(*) ماذا بشأن المزج بين الوثائقي والخيال؟ أواضح هذا في ذهنك منذ بدء المشروع؟

أفلامي السابقة كلها على الحدود بين الوثائقي والخيال، نوعاً ما. دائماً أصنع أفلاماً لأعرض على الجمهور ليس ما هو أمام الكاميرا، بل ما في رأسي. هذا مميزٌ للغاية في هذا الفيلم. أولاً، أجريت المقابلات كلها، حتى لو ظهر لي شكلها سينمائياً للغاية، وصُوِّرت بشكل جميل، فإنها في العمق وثائقية 100 %، لأني لم أتمكن من إخراجها. فكما قلت، لا أتحدث الإيطالية، ولم تكن لدي أي فكرة عما يحدث. لذا، إنها حقاً تلامس واقعية كاميرات مراقبة في محطة وقود. بعدها، ولّفت المادة، أو نظّمتها وفقاً للترجمة، ثم صوّرت الرحلات. اتّبعت في الرحلات أسلوباً مختلفاً لصناعة الأفلام، إذْ كنت أعدّها دائماً نوعاً من الفخّ. إذا وضعت سيدة إيطالية لا تتحدث الإنكليزية مع نادل تايواني يتحدثها قليلاً، فستكون النتيجة دائماً موقفاً مثيراً للاهتمام. وإذا وضعت سيدة عجوز مع شرطيين، فسيكون هناك موقف لافت للانتباه حتماً. طبعاً، كنت أعدّ هذه الوضعيات، وأنتظر ما سيحدث.

 

(*) تحدّثت عن اللقطات ذات التكوين اللافت للانتباه، وبعضها يذكّر بأسلوب سورينتينو. كيف اشتغلت مع مدير التصوير على هذه الجوانب؟ ماذا قلت له في بداية التصوير؟

أعمل مع مارتن كولار منذ 25 عاماً. أمضي وقتاً معه في التصوير أكثر من الذي أمضيه مع عائلتي. كما أسلفتَ، أعلم أني في حاجة إلى مفهوم بصري محدّد. أيضاً، في بداية الإنتاج، نظراً إلى عدم امتلاكي ما يكفي من المال، يتحتّم عليّ أن أقرّر ما الذي سأتخلى عنه. بما أني آثرت أن يكون لدي وقت كثير، قررت التصوير بكاميرات بسيطة للغاية. في الواقع، كل شيء صُوّر بكاميرا Sony FS7. إنّها رخيصة. لكن، مع حد أدنى من المعدات التقنية، أحتاج إلى وقت كثير لبلوغ تكوين جيّد للصورة. الأمر يستغرق ساعة على الأقل لكل لقطة، ليجهز مارتن الإضاءة والمستلزمات الأخرى. لذا، كان لدي وقت كثير للتحدث مع لوتشيانا، أو مع الشخصيات الأخرى.

بصفتي مخرجاً، عندما تتحدث بشكل طبيعي مع الشخصيات، يكون الأمر دائماً نوعاً من الاشتغال معهم. لكن، عندما تنتظر فقط، بينما تلعن مدير تصويرك لأنه يستغرق ساعات في الإعداد، وتدخّن سيجارة تلو أخرى، وتشرب الكوب الخامس من القهوة، تصبح صديقاً لشخصياتك، ولديك معها عدو مشترك هو مدير التصوير، ويكون الحوار معها مختلفاً تماماً. هذه لحظة مهمة جداً. لو اشتغلت مع فريق كبير من المساعدين والمحترفين، لفقدت الاتصال مع شخصياتي.

 

(*) المونتاج جانب آخر مهم في الفيلم، خاصة الانتقالات الرائعة جداً. أتذكّر المرأة التي ذهبت إلى تايلاندا، حيث نراها منشغلة بالقنص في لعبة الفيديو، ثم الانتقال إلى والدها، الذي يُسقِط شيئاً من يده. كيف وجدت هذه الانتقالات؟ هل كُتبت قبل التصوير، أم بعده؟

بعد التصوير. في الواقع، الأمر مثيرٌ للاهتمام، لأننا ولّفنا خمس قصص متوازية. كان الأمر سريعاً للغاية. فوجئت حقاً بإنجاز ذلك في شهرين فقط. خمس قصص تجري في 110 دقائق، أحبها الجميع. لكني لم أحبها. قلت للمونتير (ماريك سوليك ـ المحرّر): لِنلْهُ بها قليلاً. لنحاول توليف القصص بشكل متقاطع. أعدنا ترتيب الفيلم. صنعنا سبع نسخ مختلفة تماماً.

في الواقع، كان العمل قليلاً، لكن الوقت المستلزم طويلاً. صنعنا كل نسخة في يومين، ثم انتظرنا أسبوعين، لنرى هل تشتغل جيداً. ثم أعدنا الكرّة. الأمر مثير للاهتمام حقاً.

 

(*) كم كان طول المواد الفيلمية لديك؟

لا أعرف عدد الساعات. كنا نقيسها بالتيرابايت. لكن، بصراحة، مواد كثيرة كانت سيئة للغاية. مثلاً، في بيروت، وضعنا الكاميرا على السيارة، وتركنا التوأم يقودها عبر المدينة. كان لدينا ساعتان، ولم نتمكن من استخدام أكثر من خمس أو عشر دقائق، كانت قوية حقاً. هناك أشياء كثيرة غير مثيرة للاهتمام.

 

(*) مهم التحدث عن استقبال الفيلم، خاصة أنك لست إيطالياً. عُرض في فينيسيا. ما ردود فعل الجمهور الإيطالي عند مشاهدته هناك؟ هل اعتبروه صادقاً، خاصة أنّ للإيطاليين عقلية وثقافة خاصتين.

سأكون صادقاً: لا أعرف (يضحك). للعرض الأول في فينيسيا، دعونا كل شخصيات الفيلم لمشاهدته. كانت عملية لوجستية معقّدة للغاية. جيوفاني، متعهّد الجنازات، لديه جنازة صباحاً، وعليه الاعتناء بالجثمان. لذا تأخّر، وكاد يُفوّت العرض الأول. في لحظة اجتماع الجميع، مررنا بالسجادة الحمراء، ثم جلسنا، وبدأ الفيلم. كنت متعباً جداً، فنمت. استيقظت مع تصفيق الجميع في النهاية. لذا، ليس لدي أي فكرة. أعرف فقط، بناء على النقاش بعد العرض، ومن وسائل إعلام إيطالية، أن الإيطاليين أحبّوه، وأتطلع إلى طرحه في الصالات.