"بوهيميان رابسودي"... الحياة بدأت الآن

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:30 (توقيت القدس)
فرقة كوين في لندن في نوفمبر عام 1975 (ديفيد ريدفيرنز/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحتفل الأوساط الموسيقية بمرور خمسين عاماً على إصدار أغنية "بوهيميان رابسودي" لفرقة كوين، التي تعتبر عملاً فنياً فريداً بدمجها ثلاث أغانٍ في تجربة أوبرا الروك، متصدرةً قوائم الأغاني العظيمة بتعقيدها الموسيقي والفكري.
- تتميز الأغنية ببناء موسيقي متعدد الفقرات مستوحى من الرابسودي الكلاسيكي، حيث تسرد قصة البوهيمي الذي يرفض الحياة المادية، مجسدةً صراع الفنان مع الواقع.
- تتنوع فصول الأغنية بين التأمل والهروب، وصولاً إلى محاكمة البوهيمي، وتنتهي بمشهد درامي يعكس هروب البطل، مؤكدةً العدمية والخلاص.

تحتفل أوساط الموسيقى والغناء حول العالم، خصوصاً عشّاق فرقة كوين (Queen) البريطانية، بمرور خمسين عاماً على صدور أغنيتهم الضاربة والخالدة "بوهيميان رابسودي" (Bohemian Rhapsody) في 31 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1975.

وبحسب مغني الفرقة وأشد أعضائها تأثيراً في تاريخ الموسيقى الجماهيرية والعالمية ككل فريدي ميركوري (1946 - 1991)، أتت الأغنية ثمرة دمجه ثلاث أغان معاً سبق أن كتبها وألّفها. كانت النتيجة عملاً فنياً فريداً، رائداً لما سيُعرف لاحقاً بأوبرا الروك (Rock Opera)، ولا يزال يتصدّر الـ15 الأوائل من بين 500 أعظم أغنية في الأزمنة كافة على لوائح بيلبورد للتقييم الفني.

وقد طرحت فرقة كوين أغنيتها الخارقة للعادة منتصف السبعينيات، في وقت ساد فيه الارتجال الأدائي التجريبي، والاستعراض الجنوني المنفلت من أي عقال على خشبة المسرح تحت تأثير مختلف المكيّفات والمنشّطات من كحول ومخدرات، فيما ترافقه بضع نغمات تُعاد وتُكرَر غالباً ما تُعزف جزافاً، مصاحبة بصراخ وصخب يصمّ الآذان عبر هدير مكبرات الصوت وقرع طبول الدرامز.

تلك كانت ذروة موجة البانك روك والسيكاديليا، التي تصدرتها منذ أواخر الستينيات فرق أميركية وبريطانية مثل مجموعة باتي سميث (Patti Smith Group) ورامونز (Ramones) من مدينة نيويورك، وSex Pistols من لندن. وقد بدا أن "كوين" تُعدّ بدورها لطرح جديدها على شكل عملٍ طويل المدة، يُقدّم للمؤدّي فرصة خوضِ تجربة موسيقية مختلفة. 

في تباين، تمتعت "بوهيميان رابسودي" ببناء متعدد المناسيب، بالغ التعقيد موسيقياً وفكرياً مقارنةً مع السمات التقليدية للموسيقى الجماهيرية، ما جعلها تتجاوز في معالمها الخفية شكل أغنية الروك أو البوب المتعارف عليها، فتناهى طابعها أقرب إلى مقطوعة موسيقية ذات مضمون أدبي وجذور تشكيلية تعود إلى الموسيقى الكلاسيكية، ما يجعل من الاستماع إليها مجالاً للتحليل والتأويل ما انفك يزداد رحابة بمرور الزمن.

فقالبها ليس حلقيّاً ثلاثياً دارجاً يبدأ بمقطع تليه لازمة وينتهي بجسر وإعادة، ولا ارتجالية تجريبية مرسلة ومفتوحة على طراز البانك روك وسيكاديليك روك، وإنما يعتمد تجاوراً لخمس فقرات مستقلة بعضها عن بعض من ناحية التصميم والحالة الدرامية، تستمد أصولها من الأغاني الثلاث المؤسسة، لكنها تترابط في الوقت نفسه بسلاسة واتساق من دون اللجوء إلى تكرار أي منها يدخل في صلب البناء.

ينسجم ذلك مع العنوان من ناحية الشكل الموسيقي، إذ إن قالب رابسودي الذي ظهر في Canon الموسيقى الكلاسيكية إبان الحقبة الرومانسية المتأخرة، كان يتألف عادة من مقاطع متسلسلة لا يخضع أي منها لقانون الإعادة، تشبه فصولاً من رواية أو مسرحية.

من هنا، يكتسب التصميم خاصية أدبيّة؛ فنص الكلمات يستخلص عبرة تحتفي بغنى وسحر الملحمة الكيانية التي يختبرها الإنسان، الفنان الأصيل، أي البوهيمي الذي وهب وجوده للفن وحده من غير أن يولي الماديات أي شأن أو اهتمام، وقد تجسّد في شخصيّة الطفل المتمرّد على الحياة والرافض لها.

ولهذا، تقوم الأغنية على خاصية السرد عبر مقاطع متتالية متمايزة، عقدة الوصل فيها هي شخصية البطل المضاد (Anti Hero): الموهوبُ الواهب ذاته للخلق والإبداع والمشاكس المشاغب في نفس الوقت.

ينطلق الفصل الأول من فكرة تهافت العالم المادي حين يضع الفنان فنّه نُصْبَ عينيه، غير مكترث لمتطلبات العيش والأمان الاجتماعي. يليه الفصل الثاني الذي يُسمَع ضربة موجعة لخيار الانغماس في الحلم والهرب من الحقيقة، تكون بمثابة نذير لحتمية الاصطدام بالواقع اللاجم للرؤى المثالية والطوباوية.

هنا، يخاطب البوهيمي أمه مستنجداً بها لكي تحضنه، بعد أن "قتل رجلاً" (دقيقة 01:03) - لعلّه ذاك الرجل الذي بداخله - فتحميه بهذا من المواجهة الحتمية مع القدر، إثر مؤاثرته الانتصار للطفل الذي فيه، حاملاً بشرى انطلاقة الحياة من أرضٍ جديدة.

التضاد بين نزوات الفنان البوهيمي وأحلامه، والقلق إزاء واقعيّة الحياة، سيؤديان بالسرد إلى الانتقال نحو الفصل التالي (03:06) الذي يشكّل الحبكة ويكتنز الذروة الدرامية. فيه يصوّر نص الكلمات، على شكل حوارية غنائية أشبه بفصل من أوبرا، محاكمة علنية للبوهيمي على جنونه ومجونه تُقيمها "الأنا الأعلى" المتجسّدة على هيئة جوقة جماعية.

يلجأ المتهم في مرافعته إلى حجّة عدمية، مفادها أنه إن لم يكن ثمة معنى للحياة، فلا ملامة إن انغمس المرء في عذوبة الحلم وفارق عذاب الواقع، وصولاً إلى تمنّيه أحياناً لو أنه لم يُولد.

موسيقياً، يقترب فصل الحبكة من شكل الأوبّريت الفرنسية الخفيفة التي راجت أوّل القرن العشرين، كالتي اشتهر بها المؤلف الفرنسي ألماني المولد جاك أوفنباخ (1819 - 1880)، والتي عنها ظهرت لاحقاً المسرحية الغنائية المعاصرة المعروفة باسم "ميوزيكال".

وعلى إيقاع حامٍ ومتأهب، يتخذ شكل أكوردات متقطعة ومنتظمة يؤديها فريدي ميركوري على الآلة، ولأجل مؤازرة التسخين يدخل الغيتار الكهربائي مضخّماً الصوت، كما تتّسع الجوقة عدداً.

ومع ذلك، يحافظ المزاج العام على جو مرح من خلال ألاعيب صوتية فكاهية وانزلاقات هارمونية كروماتية تبلغ مداها الأقصى قبيل الانحلال في ارتجالية عنيفة (دقيقة 04:10) للإلكتريك غيتار، فولوج الفصل التالي الذي يرجع بالمستمع إلى أجواء الروك آند رول والهيڤي ميتال.

يسعى مقطع الروك الساخن إلى إنشاء مشهد درامي يصور هروب البطل من العقاب، كما يُجسّد انحلال المقطع (دقيقة 05:00) إلى إيقاع أشد تأرضاً وسلاماً بملامسة البطل بر الأمان، بعد أن تقاذفته أمواج الغضب العاتية.

يقود الغيتار الكهربائي الانتقال الموسيقي والسردي من خلال مقطع لحني منفرد على إيقاع بالاد متمهل يؤدّيه نجم الفرقة والعضو المؤثر فيها برايان ماي.

في هذه الغضون، سيؤكد ميركوري، من خلال استعادة اللازمة عند الختام، العبرة التي تمزج العدميّة بالخلاص، منتجاً تطهراً (Catharsis) ينوب فيه البيانو عن الغيتار، بينما يردد: "لا شيء يهم، الكل يرى أن لا شيء يهم بالنسبة لي"، تليه الجوقة، وقوامها أعضاء الفرقة، مُطلقة عبارة: "أينما تهبُّ الريح".

المساهمون