بودكاست من غزة... شهادات من عاشوا حرب الإبادة وقصص الناجين
- رغم التحديات التقنية، نجحت هذه البرامج في الوصول إلى جمهور واسع، محققةً ملايين المشاهدات، وركزت على القصص التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي، مما يسهم في توثيق الذاكرة الفلسطينية.
- تعكس هذه التجارب توجهاً نحو استخدام البودكاست كأداة للتوثيق والسرد الإنساني، مما يعزز الوعي بالقضية الفلسطينية ويحفظ تفاصيل مرحلة مفصلية من تاريخ الفلسطينيين.
تتواصل في غزة محاولات توثيق ما خلفته حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، عبر أدوات إعلامية تمنح الناجين مساحةً أوسع للحديث عن تجاربهم. ومن بين هذه الأدوات، برزت برامج البودكاست التي اتخذت من الشهادات الإنسانية والقصص الشخصية مادة رئيسية، لتسجيل تفاصيل الحرب كما عاشها أبناء القطاع.
ومع تراجع وتيرة العمليات العسكرية رغم استمرار الاعتداءات، اتجه عدد من الصحافيين الفلسطينيين إلى إنتاج برامج حوارية تستضيف أطباء ومسعفين وصحافيين وناجين وأسراً فقدت أبناءها أو منازلها، في محاولة لإعادة سرد الأحداث بعيداً عن الإيقاع السريع للأخبار اليومية، وإتاحة المجال أمام الضيوف لعرض تجاربهم بكل ما تحمله من تفاصيل ومشاعر.
ورغم شح الإمكانات التقنية وصعوبة الإنتاج داخل القطاع، نجحت هذه البرامج في الوصول إلى جمهور واسع داخل فلسطين وخارجها، وأصبحت مساحة لتوثيق الذاكرة الفلسطينية وحفظ شهادات من عاشوا الحرب، وإبقاء القصص الإنسانية حاضرة في مواجهة النسيان.
في هذا السياق، يقول الصحافي يوسف فارس، مقدم بودكاست "حكي البلاد"، إن إطلاق البرنامج جاء مع تراجع وتيرة الحرب، لإتاحة مساحة أوسع لمناقشة القصص والتفاصيل التي رافقت حرب الإبادة على غزة، وإعادة طرح القضايا التي ما زالت تشغل الفلسطينيين، من خلال مراجعات ونقاشات هادئة تسلط الضوء على ما جرى.
يوضح فارس لـ"العربي الجديد" أن فريق العمل يحرص على اختيار موضوعات متنوعة تجمع بين القضايا الكبرى وتفاصيل الحياة اليومية، مع مراعاة التنوع الجغرافي بين محافظات قطاع غزة، والتوازن بين الضيوف من الرجال والنساء، إلى جانب تنوع توجهاتهم، بما يعكس تعددية المجتمع الفلسطيني ويثري الحوار.
يلفت إلى أن إنتاج البودكاست يواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة توفير الكهرباء ومواقع التصوير وتعقيدات التنقل والمونتاج ورفع المحتوى عبر الإنترنت، إضافة إلى ما وصفه بقيود المنصات الرقمية التي أدت إلى حذف قناة البرنامج منذ انطلاقته الأولى.
تهدف برامج البودكاست إلى أن يتحدث الغزيون بأنفسهم عن معاناتهم وتجربتهم
يشير فارس إلى أن البودكاست حقق حضوراً لافتاً رغم حداثة التجربة، مستنداً إلى التفاعل الواسع من الجمهور داخل غزة وخارجها، فضلاً عن تحقيق أكثر من 200 ألف مشاهدة على يوتيوب، وأكثر من ستة ملايين مشاهدة على تيك توك، وخمسة ملايين على إنستغرام، و4.2 ملايين على فيسبوك. يوضّح أنّ تجربة البودكاست في غزة لا تزال في بدايتها، معرباً عن أمله في أن يواصل الجمهور دعم البرنامج ومتابعته، بما يسهم في تطوير التجربة وتعزيز حضورها الإعلامي.
ومن زاوية أخرى، يرى الصحافي تامر لبد، مقدم برنامج "غزة بودكاست"، أن البودكاست يوفر مساحة ضرورية لنقل رواية الحرب من داخل القطاع، بعدما طغت خلال الأشهر الماضية شهادات وتحليلات قدمها أشخاص لم يعيشوا تفاصيل الحياة اليومية في غزة.
يشير لبد لـ"العربي الجديد" إلى أن التجربة تهدف إلى أن يتحدث الغزيون بأنفسهم عن معاناتهم بما يساعد على نقل الصورة الإنسانية الكاملة وفهم تفاصيل قد تغيب عن التغطيات الإخبارية التقليدية.
يلفت إلى أن فريق البرنامج يحرص على اختيار قصص لم تحظَ بالاهتمام خلال زخم الأحداث، مع استضافة أطباء ومسعفين وعناصر من الدفاع المدني والعاملين في الإغاثة إلى جانب ناجين من القصف والنزوح ومصابين فقدوا أطرافهم، بهدف توثيق الآثار الممتدة للحرب وإبراز معاناة من عاشوا التجربة مباشرةً.
يقول إن إنتاج البرنامج واجه تحديات كبيرة، في مقدمتها انقطاع الكهرباء وصعوبة إيجاد مواقع مناسبة للتصوير والاعتماد على الهواتف المحمولة في التسجيل، إضافة إلى ضعف الإمكانات التقنية وتعطل المعدات، إلا أن فريق العمل واصل إنتاج الحلقات رغم هذه الظروف.
يرى لبد أن البرنامج حقق أثراً ملموساً؛ إذ حظيت حلقاته بتفاعل واسع، كما اعتمدت مؤسسات حقوقية على بعض الشهادات المنشورة فيها لتوثيق الانتهاكات، لافتاً إلى أن البودكاست يمنح الضيوف مساحة أوسع لسرد تجاربهم بتفاصيلها، بما يتيح للمستمع فهماً أعمق للواقع.
أما الصحافي معاذ الكحلوت، مقدم برنامج "ظل بودكاست"، فيشير إلى أنّ البرنامج جاء استجابة للحاجة إلى تقديم رواية فلسطينية أصيلة تنقل حقيقة ما يجري في قطاع غزة، في ظل ضعف حضور القصص الإنسانية في كثير من التغطيات الإعلامية، واقتصار الاهتمام على القضايا التي تحظى بانتشار واسع.
يقول الكحلوت لـ"العربي الجديد" إن البرنامج يعمل على توثيق معاناة الفلسطينيين وإبراز قصصهم كما هي، بعيداً عن أي تزييف، انطلاقاً من رسالة منصة سما القدس في نقل الواقع بصدق، موضحاً أنّ الأثر الذي أحدثه "ظل بودكاست" يتجلى في التفاعل الواسع مع الحلقات، سواء من خلال المشاهدات أو التعليقات أو الرسائل التي تصل من الجمهور، إضافة إلى ترشيحات المستمعين لضيوف جدد وقصص تستحق أن تروى، ما يعكس اهتماماً متزايداً بهذا النوع من المحتوى.
يقول إن اختيار الضيوف يتم وفق معايير تركز على القيمة الإنسانية، من خلال استضافة أشخاص عاشوا التجربة أو أسهموا في خدمة المجتمع، مثل الأطباء والصحافيين والأسرى وغيرهم، بعيداً عن الشخصيات التي صنعت حضورها على حساب معاناة الناس.
يلفت إلى أنّ البودكاست يتميز بمنح الضيف مساحة أوسع للحديث بعفوية بما يتيح نقل المشاعر والتفاصيل الإنسانية بما هو أعمق من الأشكال الصحافية التقليدية، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو إيصال شعور أهل غزة إلى العالم قبل نقل المعلومة، إيماناً بأن التأثير الحقيقي يبدأ من تحريك الوجدان وتعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية.
تعكس هذه التجارب الإعلامية توجهاً متنامياً نحو استخدام البودكاست بوصفه أداة للتوثيق والسرد الإنساني، إذ يمنح الضيوف الوقت الكافي لرواية شهاداتهم كاملة، ويتيح للجمهور فهماً أعمق لما عاشه الفلسطينيون خلال الحرب وما بعدها. كما يسهم في إعادة طرح القصص التي غابت وسط زخم الأحداث ويوثق تفاصيل قد لا تجد مساحة كافية في الأشكال الصحافية التقليدية.
يقول الكحلوت إن الإمكانات المحدودة والظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، يواصل صناع هذه البرامج تسجيل الذاكرة الفلسطينية بالصوت والصورة، حفاظاً على شهادات الناجين وتجاربهم الإنسانية وإيصالها إلى العالم، حتى تبقى هذه الروايات حاضرة في الوعي وتحفظ تفاصيل مرحلة مفصلية من تاريخ الفلسطينيين.