بقايا امرأة: بين المخاض والخسارة

17 يناير 2021
الصورة
لا دور للموسيقى السينمائية مطلقاً أمام أمٍّ تلد، ولا داعي لإضافة أي مؤثّرات بصرية (فيسبوك)
+ الخط -

في فيلم "بقايا امرأة" Pieces of a Woman للمخرج المجري كورنيل موندروشو، دعوة سينمائية تنويرية هادفة، تنطلقُ من واقع مؤلم وقاسٍ تكابده النساء اللواتي يفقدن أطفالهنّ بعد الولادة.
 
تحمل بطلة الفيلم "مارثا فايس" (الممثلة البريطانيّة فانيسا كيربي) راية هذه التجربة القاسية. وللتحديد بشكل دقيق، تلك الدقائق الحاسمة ما قبل لحظة الولادة. اهتمام كبير بالتفاصيل الحركية والنفسية والعاطفية تظهرها "مارثا" بشكل متقن، يعزز أداءها عدسة الكاميرا. البطل الثاني والمحاور الطبيعي بامتياز ما بين المشاهد ومشهد الولادة والذي يستمرُّ لـ 26 دقيقة. يأتي مشهد الولادة في لقطة واحدة، إذ يكون المشهد متصلاً بالزمن الدرامي الفعلي للفيلم الذي تبلغ مدته ساعتين. 

هذا التركيز البصري ليس مستحباً أو خياراً جمالياً لدى المخرجين، لكنه ضرورة توظيفية تعزز من واقعية الحدث ومصداقيته، ويخلق بجوهره مساحة للمتلقي ليختبر شعوره بنفسه تجاه التفاصيل، دون توجيهه، ما يعزز قيمة المشهد العاطفية، ويضفي شعوراً عارماً بالنزاهة والصدق. 

في هذه اللقطة الطويلة، التي تجمع كلاً من "مارثا" وشريكها والد طفلتها "شون" (الممثل شيا لابوف) والقابلة القانونية البديلة، تكوينٌ درامي عالٍ. حوارات عفوية تبدو منعزلة عن أي نص جاهز ومعدّ سابقاً، تتسلل من بينها قساوة اللحظات التي تمرّ بها الحوامل من انقباضات وتقلصات وغثيان، وهنَّ في مرحلة المخاض. واقعيَّة اللقطة تفرضُ على المخيلة تصديقها ومعايشتها بكل لحظة وبكل تفصيل لا نراه إلا في غرف المستشفيات الخاصة بالتوليد. فالكاميرا تحاكي تفاصيل الوجه والجسد والأعضاء التناسلية بشكل قاسٍ وفج. طبيعة المشهد تفرض واقعيته، لذلك لا دور للموسيقى السينمائية مطلقاً أمام أمٍّ تلد، ولا داعي لإضافة أي مؤثّرات بصرية أو إضافة سمعيَّة، لأنَّ المشهد بقساوته كافٍ ووافٍ. 

سينما ودراما
التحديثات الحية

"مارثا" صممت على الإنجاب في منزلها. هي خدمة عاطفية تمنح بها طفلتها حرية اختيار مكان الولادة لحظة وقوعها. إذاً، هو انعكاس نفسي متعلق بشخصية "مارثا" وعلاقتها بابنتها التي ستفقد الحياة بعد ثوانٍ من إنجابها. فخطأ القابلة التي لم تتصرف بسرعة، حيث طلب الاستعانة بالإسعاف جاء متأخراً، دفع الزوجان ثمنه. وهنا تكمن رسالة الفيلم وغايته. خطأ واحد يعكس جسامة النتائج المترتبة عن اعتماد قابلة قانونية عوضاً عن خدمات المستشفيات والتدابير الطبية المناسبة التي تقدمها. هذا لا يلغي دور القابلات ومهنتهنّ الأزلية الناجحة في هذا الشأن، لكن رسالة التوعية ولغتها المشددة سينمائياً تعكس هذا الطرح. فمحدودية الخطأ تبقى واردة، سواء من قبل القابلات أو المشافي.

حوارات عفوية تبدو منعزلة عن أي نص جاهز ومعدّ سابقاً

الفواصل الزمنية المتبعة داخل الفيلم تحافظ على رتابة الأثر النفسي للممثلين عند المتلقي، وتنجح في خلق زمن نفسي متواتر. بعد أن يفتتح المشهد اللاحق لمشهد الولادة، بلقطة لجسر عبور بحري غير مكتمل ولكنه قيد الإنشاء. وهنا إسقاط له دلالة رمزية يواري الالتئام المادي لعملية دمج طرفي الجسر وإنجازه، تباعاً بالتزامن مع سير الأحداث والقفزات الزمنية المتلاحقة، فيتحول إلى التئام معنوي عاطفي بفضل التصميم والإرادة الإنسانية البحتة. 

سنختبر مع "مارثا" صدمتها النفسية وانعكاساتها على محيطها وبيئتها الأسرية والاجتماعية خلال فترة تقل عن ستة أشهر (الزمن النفسي) مجزأة، يتصاعد فيها، سلوكها وإدراكها مع تقديرٍ لدور عدسة المخرج المتحركة، العنصر الأبرز في متابعة تصرفات "مارثا"، من خلال اتباع مفهوم اللقطة المطولة التي تكررت مراراً لتتواءم مع خط درامي منغلق على قصة واحدة. القضية واحدة ولا تتطلب محاور وسياقات درامية معقدة بقدر ما تتطلب لغة درامية مبسطةً بصرياً معقدة نفسياً، لفهم وتلقي آلام ومعاناة كل امرأة فقدت طفلها أو طفلتها. 

المساهمون