برامج المواهب: "كاستينغات" سنوية

25 نوفمبر 2020
الصورة
تجد الجماهير الأميركية نفسها أمام مواهب مُتفرّدة برؤيتها ومنطلقاتها الفنية (Getty)
+ الخط -

أصبحت برامج اكتشاف النجوم، داخل القنوات التلفزيونية العالمية، تكتسي أبعاداً سياسية مهمّة على مستوى التأثير في المجتمعات؛ فمن كان يتصوّر أنّ مقطعاً موسيقيّاً، أو محاكاة أغنية، أو مقطعاً كوميديّاً، يحصد كل هذه الملايين من المشاهدات على مستوى العالم، بطريقة تفوقت فيها الكثير من هذه المواهب الشابة على نجوم كثر، بمن فيهم أعضاء لجان التحكيم.

هذا الأمر، جعل كثير من الشباب يترددون من أجل المشاركة في هذه البرامج لكشف مواهبهم للعالم، حتى أصبحت القنوات التلفزيونية تنتج سنوياً أكثر من برنامج لمُعاينة هذه المواهب، مغيّرة الاسم ولجان التحكيم والديكور التي تقدّم بها هذه البرامج، مع أنّها جميعها مُتشابهة وتفتقر إلى البُعد الفكري، الذي قد يجعلها هادفة وناجحة.

في الغرب، تتميّز هذه البرامج بقوّة فنية وبمواهب فطرية. مواهب حقيقية تعيش في هوامش المراكز الغربية، بعيداً عن التنميطات الأكاديمية من معاهد ومدارس وكليات، إذْ إنّ تلك المواهب لا تكاد تخلو من جديد فني مخالف للوضع القائم ومواضعات الفنّ الغربي.

لذلك، غالباً ما تجد الجماهير الأميركية أنّها أمام مواهب مُتفرّدة برؤيتها ومنطلقاتها الفنية المُنفلتة من قبضة التقليد والاجترار والتدوير، دون أنْ ننسى حجم حرية التعبير التي تُتيحها برامج اكتشاف المواهب من أجل التعبير أو النقد أو السخرية، بلا حساسية أو حدود ضيقة، قد تُعيق العملية الفنية، ومعها التعبير الفردي لهذه المواهب.

أنجح هذه المواهب هي تلك التي تجعل من الوقائع الاجتماعية داخل أميركا مادة خصبة لاسكيتشاتها، إذْ نادراً ما يعثر المُشاهد على تجربة تفتقر لبعض المؤهلات الفنية، أو في حاجة ماسّة إلى تدخلات اللجنة وتقديم بعض الإرشادات والنصائح لتطوير الموهبة وصقلها فنياً. بل إنّنا نعثر أكثر من مرة، على برامج اكتشاف المواهب، وقد غدت سنداً رئيسياً للسينما الأميركية، فهي تُؤججها وتجعلها من حينٍ لآخر في حاجة إلى مثل هذه المواهب داخل صورها الفنية.

هذا الأمر هو ما يخلق ضمنياً نجاح واستمرار هذه البرامج داخل أميركا، إذ لا تجد هذه المشاركات نفسها خارج حقل الفنّ والغناء بمجرد نهاية البرنامج السنوي، بقدر ما يكون البرنامج بمثابة قاطرة أوّلية للولوج إلى أعتاب المسارح العالمية وشاشاتها الصغيرة والكبيرة منها، حتى تفتح لنفسها أفقاً فنياً جديداً يكون سنده الموهبة ومرماه الاحتراف.

ما يحدث في العالم العربي هو العكس تماماً. ففي الوقت الذي ينتهي فيه البرنامج، تجد المواهب نفسها مُضطرة أنْ تعيش شهوراً خارج الفنّ، قبل أنْ تُجدّد مُشاركتها في برنامج آخر. بمعنى أنّ هذه البرامج داخل العالم العربي لا تدخل كمشروعٍ فنيّ يُساهم في صقل مواهب الشباب الفنية وتقديمهم نحو طريق الفنّ والشهرة، بل هي مجرد كاستينغات سنوية لدغدغة المشاعر، تفتقر لكل أشكال الموهبة أمام ميزانيات خيالية تُنفق على هذه البرامج الترفيهية داخل العالم العربي، لأنّها لا تخدم مشروع فنون الغناء ولا الرقص ولا الكوميديا ولا السينما.

وحتى التجارب المُشاركة، فهي عادة ما يكون أوّل ظهور لها وهي تعتلي خشبة المسرح، من دون ملامح ابتكار لأشكال جديدة في الأداء، إذْ إنّ أغلبها مُجتث من جذوره، ومنابعه غربية. ربما، يمكننا استثناء تجارب غنائية شابة معدودة على أصابع اليد الواحدة، استطاعت أنْ تتفرّد بموهبتها بعد ظهورها داخل هذه البرامج.

المساهمون