برامج المواهب السورية على كرسيّ دوار

26 فبراير 2021
الصورة
"صدى المواهب" و"سيريان تالنتس" نسختان رخيصتان عن برامج المواهب (سيريان تالنتس/فيسبوك)
+ الخط -

لا يمكن تفسير السبب الذي يدفع المحطات السورية اليوم إلى إنتاج نسخها المحلية الخاصة عن برامج المواهب العالمية التي سبق أن طُرحت منها نسخ عربية على مدار العقدين الماضيين.

فنهاية العام الماضي، بدأت قناة "سما" بعرض نسخة رديئة عن برنامج "آرابز غوت تالنت"، تحت اسم "سيريان تالنتس"، ليكون أول برنامج من هذا النوع تعرضه القنوات السورية منذ انطلاقة الثورة. وقبل انتهاء الموسم الأول منه، بدأت إذاعة "صدى إف إم" الحلبية بعرض نسختها الخاصة عن برنامج "ذا فويس كيدز" بالصوت والصورة، تحت اسم "صدى المواهب".

لعل المرسوم الرئاسي رقم 6 لعام 2021، القاضي بإحداث "المعهد العالي للفنون السينمائية"، هو المفتاح الوحيد لحل هذا اللغز؛ إذ إن هذا المرسوم يوحي أيضاً باهتمام عام ومفاجئ بالمواهب السورية الجديدة. أغلب الظن أن هذا التوجه العام ولد أثناء بحث الإعلام السوري اليوم عن منفذ جديد يهرب به من الواقع المعيش في الداخل السوري؛ لتكون النتيجة إنتاج برامج تلفزيون الواقع التي لا تعكس الواقع.

يشترك "صدى المواهب" مع "سيريان تالنتس" بصفات عدة، فكلاهما ليس سوى نسختين رخيصتين عن برامج المواهب، أنتجا بأرخص التكاليف الممكنة وبأدنى درجات الجودة التي يتطلبها هذا النوع من البرامج؛ إذ صور برنامج "صدى المواهب" على خشبة مسرح صغير، بالكاد يتسع لأعضاء اللجنة ومتسابق واحد، ويجلس أعضاء اللجنة في مقدمة الخشبة ليحجبوا بأجسادهم الرؤية تماماً عن الجمهور الموجود في الصالة. أما الطفل المشارك في المسابقة، فيقف على مدرج خشبي صغير، تغطيه كومة غير متناسقة من الستائر مع قضبان حديدية، وعلى أرضية المسرح تمتد أشرطة الوصلات الكهربائية، ليوحي كل شيء بالرخص. الأسوأ من هذا كله، هو الكراسي التي يجلس عليها أعضاء لجنة التحكيم المغمورون، فهي كراسي مكتب عادية، يقومون بالدوران عليها بالاستعانة بأرجلهم، بعد أن يضغطوا على الزر الوهمي الموجود على الطاولة أمامهم.

قد يبدو برنامج "سيريان تالنتس" أفضل من الناحية البصرية، ولا سيما أنه قد المراحل المتقدمة منه صورت في استوديو مخصص؛ لكنه يعطي الإحساس نفسه بالرخص من خلال الإعلانات التي تمر عبره لشركات البلاستيك والباصات، ومن خلال عدم توفير مستلزمات المتسابقين حتى بعد وصولهم لمراحل متقدمة. ففي أحد العروض، تعزف فرقة من الأطفال على آلات القانون، ويضطرون إلى تثبيت النوتات على آلاتهم؛ لأن البرنامج لم يؤمن لهم طاولات مخصصة.

ويشترك كلا البرنامجين بتقديم صورة رديئة للغاية عن المواهب السورية؛ إذ تقبل لجان التحكيم معظم المشتركين، حتى وإن كانوا لا يمتلكون الموهبة الكافية التي تؤهلهم لتقديم عروض فنية على التلفزيون. والأسوأ أن لجان التحكيم لا تقدم أي ملاحظات مهمة لتطوير الأداء، وغالباً ما تطغى الثرثرة والمجاملات الرخيصة على حواراتهم الطويلة.

ربما يكون برنامج "صدى المواهب" أفضل من هذه الناحية، لأن أعضاء اللجنة المغمورين لا يكثرون من الثرثرة بقدر نجوم لجنة "سيريان تالنتس". كما أن غناء الأطفال، وإن كان غير متقن أحياناً، هو أفضل وأرحم بكثير من المواهب التي تعرض ببرنامج التمثيل والرقص مثلاً التي تعرض في "سيريان تالنت".

وفي هامش المشهد، ينقل كلا البرنامجين الصورة الحقيقية لسورية التي يحكمها الأسد اليوم، إذ إن ملامح الفقر تبدو واضحة على معظم المشاركين، لتكون الشفقة هي العاطفة الأبرز التي تثيرها هذه البرامج عند متابعتها. كيف لا؟ ونحن نشاهد المشتركين في "سيريان تالنت" ملتحفين بستراتهم الصوفية أثناء انتظارهم الطويل لسماع نتائج التصويت، ليرصدوا بأجسادهم الهشة حكايات البرد والفقر. وكيف لا؟ ونحن نشاهد طلاب المدارس والمعاهد يجلسون على مقاعد المتفرجين وراء اللجنة، وكأنه قد تم سوقهم إلى هذه الحلبة، كما كان يتم سوقهم للمسيرات في الشوارع. وكيف لا؟ ونحن نشاهد كل هؤلاء الناس يتلاحمون ويزاحمون من دون أي التزام بالإجراءات الوقائية من فيروس كورونا، في سورية التي لم تتخذ أي إجراء سوى تشييدها مقابر جماعية جديدة تضم ضحايا الفيروس.

في برنامج "صدى المواهب"، يقبل عضو لجنة التحكيم، المدعو غابي، الأطفال بعد أن يختارهم، ويطلق كل مرة ذات النكتة "من بعد إذن كورونا، بدنا نبوّس"، ليشير بسماجته إلى المعاناة والذل التي يعيشها السوريون هناك، ويفترض أن كل ما يحدث هو نكتة.

المساهمون