أثارت الحكومة في باكستان جدلاً واسعاً بعد إصدارها تعليمات جديدة تحت ذريعة تنظيم عمل وسائل الإعلام الأجنبية داخل البلاد، معتبرةً إياها مجرد إجراء إداري يهدف إلى تسهيل عمل الصحافيين وتنظيم العلاقة بينهم وبين وزارة الإعلام. بينما أكدت المؤسسات الصحافية والمنظمات الحقوقية أن هذه التعليمات تمثل مرحلة جديدة من تشديد الرقابة على التغطية الإعلامية، خاصةً في المناطق الحساسة سياسياً وأمنياً، مثل الشطر الباكستاني من إقليم كشمير وكذلك إقليمي خيبربختونخوا في الشمال الغربي، وبلوشستان في الجنوب الغربي من البلاد.
وتواجه باكستان انتقادات متزايدة بشأن أوضاع حرية الصحافة، إذ تحتل المرتبة 153 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وهو ما يعكس التحديات التي تواجه الصحافيين المحليين والأجانب على حدّ سواء في بلد تعود الكلمة الفاصلة فيه إلى المؤسسة العسكرية.
وجاءت ما تصفها الحكومة بالتعليمات، وما تصفها المؤسسات الإعلامية بالقيود، وسط التطورات في الشطر الباكستاني من كشمير، الذي شهد خلال الشهرين الماضيين احتجاجات عنيفة ومواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، بالتزامن مع الانتخابات المحلية التي تقاطعها مجموعات من المحتجين.
في ظلّ القيود المفروضة على الإنترنت وصعوبة التحقق المستقل من المعلومات، صارت التغطية الإعلامية الدولية لما يجري في الإقليم تحظى باهتمام خاص.
أبرز "الإرشادات" الجديدة
نصّت التعليمات الجديدة التي تحمل اسم "إرشادات تيسير العمل الإعلامي الأجنبي لعام 2026" على أن جميع العاملين مع وسائل الإعلام الأجنبية، بمن فيهم الصحافيون والمراسلون الباكستانيون والمساعدون لهم، ملزمون بالحصول على تصريح مسبق قبل التوجه لإعداد أي تقرير أو تغطية صحافية من أي منطقة خارج المدن الثلاث الكبرى: إسلام آباد، وكراتشي، ولاهور.
كذلك، منحت التعليمات السلطات في باكستان صلاحية إلغاء اعتماد أي صحافي إذا اعتبرت أنه قام بأعمال تمس أيديولوجية الدولة أو سيادتها أو أمنها أو النظام العام. ويرى منتقدو القرار أن هذه العبارات فضفاضة وقابلة لتفسيرات متعددة، الأمر الذي يمنح الجهات الرسمية هامشاً واسعاً لاتخاذ إجراءات ضد الصحافيين دون وجود معايير قانونية واضحة.
وتعتبر الحكومة أن التعليمات الجديدة مجرّد تنظيم إداري، نافيةً فرض قيود على الإعلام، مشددةً على أن الهدف من التعليمات هو التحقّق من هوية العاملين مع وسائل الإعلام الأجنبية، وتقديم الدعم اللازم لهم أثناء أداء مهامهم. وقالت وزارة الإعلام في بيان، الثلاثاء الماضي، إن العلاقة بينها وبين المؤسسات الإعلامية الأجنبية كانت تحتاج إلى إطار إداري واضح ينظمها، من هنا جاءت الآلية الجديدة، مضيفةً أنها ليست قيوداً بل تعليمات توطّد العلاقات بين وسائل الإعلام الأجنبية ووزارة الإعلام.
في المقابل، عبّر الصحافيون والمؤسسات الإعلامية عن قلقهم من توسع نطاق آلية التصاريح. ففي السابق كان الصحافيون الأجانب وحدهم من يحتاجون إلى تصاريح خاصة للسفر إلى بعض المناطق الأمنية الحدودية فقط، في عملية كانت تستغرق أسابيع أو حتى أشهراً، وقد لا يتلقى الصحافي أيّ ردٍ على طلبه أحياناً. أما الآن فقد امتد هذا الشرط ليشمل جميع مناطق باكستان سوى المدن الثلاث الكبرى، كما صار الحصول على تصاريح مطلوباً حتى من الصحافيين الباكستانيين العاملين مع المؤسسات الإعلامية الدولية، وهو ما يعني عملياً أن غالبية التغطيات الميدانية لوسائل الإعلام الأجنبية ستصبح مرتبطة بالحصول على موافقة مسبقة من السلطات.
ورأى المنتقدون أن هذه الآلية ستؤثر مباشرة على سرعة تغطية الأحداث، خصوصاً في بلد تتكرّر فيه التطورات الأمنية والسياسية بصورة مفاجئة. ففي كثير من الأحيان كانت المؤسسات الإعلامية الدولية تعتمد على صحافيين باكستانيين يقيمون في مدن مثل بيشاور أو كويته أو مظفر آباد، حيث يستطيعون الوصول بسرعة إلى مواقع الأحداث والتحقق من المعلومات. لكن في ظل التعليمات الجديدة، سيحتاج هؤلاء أيضاً لاستخراج تصريح رسمي قبل مباشرة أي تغطية، في عمليةٍ قد تستغرق أياماً بل أسابيع، وهو ما قد يؤدي إلى التأخر في متابعة التطورات، بل وربّما إلى إلغاء إمكانية التغطية من أساسها.
وعلمت "العربي الجديد" من العديد من وسائل الإعلام الأجنبية أن صحافييها وممثليها في الشطر الباكستاني من كشمير تلقوا رسالة من وزارة الإعلام تطلب فيها منهم المغادرة والامتناع عن تغطية الاحتجاجات والصراع بين الحكومة ولجنة العمل المشترك التي تجمع الأحزاب الكشميرية، بحجة أن عليهم الحصول على تصاريح من الحكومة قبل مباشرتهم العمل، كما حذّرتهم من مغبة الاستمرار في التغطية من دون استصدار التصريح.
إدانات واعتراضات في باكستان
قوبلت الإجراءات الحكومية بانتقادات حادة من قبل الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وحتى السياسيين. وبدأت مجموعة من الصحافيين الأجانب، بالتعاون مع الاتحاد الفيدرالي الباكستاني للصحافيين، التحرك لعقد لقاء مع وزير الإعلام من أجل عرض مخاوفهم ومطالبة الحكومة بإعادة النظر في التعليمات الجديدة أو توضيح آليات تطبيقها، وخاصةً ما يتعلق بمدة إصدار التصاريح وضمان عدم استخدامها لتعطيل التغطية الصحافية.
ورأى مصطفى كهوكهر، القيادي السابق في حزب الشعب قبل استقالته بسبب انتقاداته للمؤسّسة العسكرية، أن التعليمات تمثّل "خنقاً للإعلام الدولي في بيئة إعلامية تضيق يوماً بعد آخر"، وقال إن الجمهور الباكستاني يلجأ في كثير من الأحيان إلى وسائل الإعلام الأجنبية للحصول على تغطية أكثر استقلالية وحياداً، منتقداً "إغلاق الحكومة لهذا الباب"، وشدّد على أن فرض مزيد من القيود لن يؤدي إلّا إلى زيادة مساحة انتشار الشائعات والمعلومات غير الموثقة.
من جانبه، وصف رئيس تحرير صحيفة داون ظفر عباس القرار الحكومي بأنّه "مدهش وغير مسبوق"، مشيراً إلى أنه عمل في الصحافة لأكثر من أربعة عقود، وشهد فترات الحكم العسكري وعدداً من الحكومات المدنية ذات النزعة السلطوية، لكنه لم يسبق أن رأى قيوداً بهذا الاتساع على حركة الصحافيين، لا سيما الأجانب. وأوضح أن شرط الحصول على تصريح للسفر خارج المدن الرئيسية لا يمس فقط حرية تنقل الصحافيين، بل ينعكس بصورة مباشرة على حرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، كما أنه محاولة للحدّ من التغطية الفورية والمباشرة للأحداث.
كذلك، قال الصحافي الباكستاني محمد عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن الحكومة تسعى إلى فرض سيطرتها على وسائل الإعلام الأجنبية، وذلك بعدما شدّدت قبضتها على وسائل الإعلام المحلية، لتسير وفق رغبات الحكومة ومن ورائها المؤسسة العسكرية، معتبراً أن القرار "صادم وغريب".
ولم تقتصر الإدانات والاعتراضات على الأوساط السياسية والإعلامية، بل امتدت إلى الأوساط القانونية أيضاً. وأكّد المحامي الباكستاني محمد نور يوسفزاي، لـ"العربي الجديد"، أن التعليمات الجديدة تفتقر إلى السند القانوني، لأنها صدرت في إطار تعليمات إدارية استناداً إلى قواعد تنظيم أعمال الحكومة، وليس بموجب قانون أقره البرلمان، موضحاً أن هذه القواعد تنظم عمل الوزارات في ما بينها، لكنها لا تمنح السلطة التنفيذية صلاحية فرض التزامات قانونية جديدة على المواطنين أو الصحافيين، معتبراً أنها تمثل "محاولة متسرعة لتقييد العمل الصحافي المستقل وحرية التعبير".