انحيازات الإعلام الألماني: أبعد من قضية ZDF

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:09 (توقيت القدس)
تظاهرة تضامنية في برلين مع الفلسطينيين، 5 يوليو 2025 (إربيل باشاي/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اقتحم ناشطون استديو قناة ZDF في برلين احتجاجًا على انحياز الإعلام الألماني لإسرائيل في تغطية حرب غزة، مما أدى إلى تدخل الشرطة لإخلاء المكان.
- أثارت قضية المهندس الفلسطيني أحمد أبو مطير، الذي استشهد في غارة إسرائيلية، جدلاً حول مصداقية الإعلام الألماني، حيث تبنت بعض الأطراف الرواية الإسرائيلية دون تساؤل.
- ردت قناة ZDF بتعليق تعاونها مع شركة الإنتاج في غزة، بينما دعت منظمة مراسلون بلا حدود إلى تحقيق أوسع، وأكدت القناة الألمانية الأولى على التزامها بمعايير صحافية صارمة.

اقتحم عدد من الناشطين، صباح الجمعة الماضي، استديو العاصمة التابع للقناة العامة الألمانية ZDF في برلين، في احتجاج رمزي على انحياز الإعلام الألماني لإسرائيل في تغطيته لحرب الإبادة على غزة. وتمكّن المحتجّون من دخول البهو الرئيسي ورفع بالونات هيليوم علّقوا فيها مكبّراً للصوت بثّ تسجيلات لأصوات أطفال يبكون، في إشارة إلى معاناة المدنيين في القطاع. وردّد المشاركون شعارات تنتقد الاحتلال وتندّد بتواطؤ وسائل الإعلام مع جرائمه، قبل أن تتدخّل الشرطة وتخلي المكان من دون إصابات. وأكّدت القناة أنّ عملها استمرّ بشكل طبيعي بعد تأمين المبنى، فيما أعلنت السلطات فتح تحقيق لمعرفة كيفية وقوع الحادث ودوافع المنفّذين.

يأتي هذا الاحتجاج في ظلّ تزايد الانتقادات الموجّهة إلى أداء ZDF، بعد انكشاف تعاونها مع المهندس الفلسطيني أحمد أبو مطير الذي استشهد بغارة إسرائيلية استهدفت مقرّ شركة فلسطين للإنتاج الإعلامي، المتعاقدة مع القناة في غزة. فبعدما اتهمته إسرائيل بالانتماء إلى كتائب القسّام، سارعت القناة إلى وقف تعاونها مع الشركة، رغم أنّ زملاءه وصفوه بـ"المحترف والمثقف" الذي لم تظهر عليه أي مؤشرات سياسية. تحقيق مجلة دير شبيغل الأخير زاد الجدل، إذ كشف أنّ الوثائق الإسرائيلية التي استندت إليها الرواية الرسمية غير مكتملة وقد تكون معدّلة بسبب إضافة معلومة بخط اليد عليها، لتتحوّل القضية إلى مرآة لأزمة أوسع في الإعلام الألماني، وفي تغطية حرب الإبادة على غزة، في ظل منع الاحتلال أي صحافي غربي من دخول القطاع.

ردات الفعل

قضية أبو مطير خلّفت ردات فعل سياسية وإعلامية عاصفة تبنّت جميعها الرواية الإسرائيلية من دون طرح أي علامات استفهام او تساؤل، خصوصاً أن الاحتلال عمد طيلة عامَين إلى توزيع الاتهامات العشوائية على الصحافيين الفلسطينيين في غزة، لتبرير اغتيالهم، كما حصل مع الشهداء أنس الشريف، وحسن اصليح، وحمزة الدحدوح، وغيرهم. أبرز ردات الفعل جاءت من الأمين العام للحزب الاجتماعي المسيحي مارتن هوبر الذي وصف في تصريحات لصحيفة بيلد "عمل المهندس الإرهابي التابع لحركة حماس" لصالح ZDF بأنه "فعل شنيع"، مضيفاً أنه يمثل ضربة قاصمة لمصداقية التقارير السابقة عن الصراع هناك، وأنه يتعين على الشبكة الألمانية عدم توظيف أفراد ينشرون الدعاية لحركة حماس.

وفي خضم ذلك، استغلّ السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا رون بروسور هذا الجدل للتشكيك بكل ما نشر عن الجرائم الإسرائيلية، فقال صحيفة دي فيلت إن هناك "مشكلة جوهرية في التغطية الإعلامية لحرب غزة"، وإن القضية الحالية "ليست سوى غيض من فيض"، ولفت إلى أنه "تم الكشف عن العديد من الصحافيين المزعومين كإرهابيين"، داعياً رئيس شركة الإنتاج إلى "التفكير ملياً في الصور التي تُرسل إلى الشبكة الإخبارية الألمانية"، معتبراً أنه "يجب على وسائل الإعلام إطلاع المشاهدين على مدى تغلغل حماس". ذكرت ZDF سابقاً أن الصور الملتقطة بعد الهجوم أظهرت تدمير سيارة البث ومركبات الفريق بفعل موجة الانفجار والشظايا، وأن الناجين أفادوا بعدم تلقي أي تحذير مسبق.

أما النائبة عن الحزب المسيحي الديمقراطي أوتيلي كلاين، والمتحدثة باسم كتلة الاتحاد المسيحي في البوندستاغ لشؤون الثقافة والإعلام، فرأت أن عدم علم ZDF بعضوية الرجل في الحركة المصنفة إرهابية يُعدّ "فضيحة تهز الثقة في البث العام بشدة"، وطالبت الشبكة بإجراء تحقيق شامل ودقيق في كيفية حدوث ذلك، وفي ما إذا كانت هناك حالات أخرى مماثلة، وأضافت أن "من غير المعقول أن تُستخدم الرسوم التي يدفعها المواطنون في ألمانيا لدعم الإرهاب أو أنشطة حماس بشكل غير مباشر".

بدوره، انتقد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ أرمين لاشيت تجاهل ZDF وعلى مدار 12 عاماً من عمل أبو مطير مع شركة الإنتاج المتعاونة معها منذ أكثر من عقدين، مشيراً إلى أنه "كان متورطاً في الوقت نفسه بنشاط ضد إسرائيل بصفته قائد فصيل"، معتبراً أن هذا بحد ذاته أمر بالغ الدلالة. وواصل تبنيه الرواية الإسرائيلية قائلاً: "إن التنكر بزي صحافيين أو فنيين مزعومين من أكثر الأساليب خبثاً التي يستخدمها الإسلامويون، وللأسف انخدعت العديد من وسائل الإعلام حول العالم في تغطيتها الإخبارية".

إعلام وحريات
التحديثات الحية

وفيما كانت رابطة الصحافيين الألمان قد أدانت الهجوم بعد حصول الاغتيال وطالبت بإجراء تحقيق شامل، عاد رئيسها ميكا بويستر ليرحّب في وقت سابق من هذا الأسبوع، في تصريح لـبيلد، بتوضيحات ZDF حول الهجوم على شركة الإنتاج في غزة، معتبراً أن كون الفني المستهدف عضواً في حركة حماس "يلقي الضوء على الهجوم من منظور جديد"، وأن إعلان الشبكة الألمانية إنهاء التعاون مع شركة الإنتاج المعنية هو "النتيجة الوحيدة الممكنة".

رد ZDF

أمام هذه التصريحات ردّت الشبكة في بيان على الانتقادات السياسية الواسعة بأنها تأخذ الادعاءات على محمل الجد استناداً إلى الوثائق المقدّمة، لكنها شددت على أن أبو مطير لم يكن موظفاً لديها، وليس له أي علاقة بالصحافة، وبحكم طبيعة عمله لم يكن على تواصل مع استديوهات الشبكة في تل أبيب. وأضاف البيان أن القناة علّقت تعاونها مع شركة الإنتاج حتى إشعار آخر. في محاولة لحماية نفسها من أي انتقادات مشابهة، أفادت القناة الأولى الألمانية "إيه آر دي" بأنها دققت في هوية الموظفين المحليين المتعاونين معها، وحصلت على تأكيدات بعدم وجود أي صلات لهم بحركة حماس، وأشارت إلى أنها تسعى لضمان استقلالية التقارير الواردة من غزة، وأن جميع المواد تُعالج وفق معايير صحافية صارمة، تشمل مراجعة بيانات منظمات الإغاثة الدولية والجيش الإسرائيلي. ولفت المتحدث باسمها إلى أن قسم تغطية الشرق الأوسط لديها، وعلى عكس ZDF، لا يعمل مع شركات إنتاج أو مكاتب إعلامية في القطاع، بل مع عدد قليل من الأفراد.

الفضيحة مبرَّرة؟

ما وصفه الإعلام والسياسيون الألمان في هذه القضية بـ"الفضيحة"، قاربه المتحدث باسم منظمة مراسلون بلا حدود كريستوفر ريش من منظور مغاير، إذ اعترض على التوصيف، معتبراً أنه "غير مبرَّر"، لأن حركة حماس "ليس لها أي تأثير على العمل التحريري أو على محتوى تقارير ZDF"، وقال إنه من "المستحيل تماماً على وسائل الإعلام الأجنبية في قطاع غزة التدقيق بشكل كامل في هوية كل من يعمل لدى مقدّم خدمة"، موضحاً أن أبو مطير "عمل فنياً لا صحافياً"، وأن "أسئلة كثيرة لا تزال من دون إجابة". ودعا ريش ZDF إلى التوسع في التحقيق وعدم الاكتفاء بالوثائق التي تلقتها من القوات الإسرائيلية، والتي تفيد بأن الفني أبو مطير كان عضواً في حركة حماس. وحول أسباب شكوكه في أدلة الجانب الإسرائيلي، قال ريش إن "إسرائيل، مثل حماس، طرف في النزاع، والتشكيك مبرر"، وخاصة أنها "قدمت منذ بداية الحرب أدلةً شككنا فيها نحن ومنظمات أخرى بشدة"، وذكّر بأنه "منذ بداية الحرب لم يُسمح لأي صحافي دولي بدخول غزة، والاستثناءات كانت لما يُعرف بالصحافيين المرافقين للجيش الإسرائيلي ضمن شروط صارمة جداً، تتطلب عرض المواد للموافقة قبل النشر، وتمنع التواصل مع السكان الفلسطينيين". من جهة أخرى، لفت ريش إلى أن الحديث عن حيادية الصحافيين المحليين المتعاونين مع وسائل الإعلام الغربية "صعب في مثل هذه الظروف"، لأن هؤلاء "يعيشون في قلب الحرب، ويكافحون للوصول إلى الإنترنت أو تأمين الوقود للسيارات لتغطية العمل، بينما يعانون مآسي شخصية من فقدان الأصدقاء والأقارب ومخاطر الاستهداف من القوات الإسرائيلية".

المساهمون