ورش الفن المصرية... الموهبة حين تُمسي مشروعاً تجارياً
- أثارت الورش الفنية تساؤلات حول جدواها وفعاليتها، مع مخاوف من استغلال شغف الشباب وغياب الضوابط الأكاديمية، حيث أعربت نقابة المهن التمثيلية عن قلقها ودعت لتنظيم القطاع.
- تتباين الورش بين الاحترافية والتجارية، حيث تقدم بعضها تدريباً حقيقياً مثل "استوديو الممثل"، بينما تقدم أخرى محتوى سطحياً بأسعار مرتفعة، مما يثير تساؤلات حول قيمتها التعليمية.
قبل سنوات، كان الطريق إلى التمثيل في مصر يبدو واضح المعالم؛ معهد للفنون المسرحية، سنوات من الدراسة، ثم انتظار فرصة قد تأتي أو لا تأتي. اليوم تبدلت المعادلة. يكفي إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي، ورسوم اشتراك، وعدد محدود من الجلسات التدريبية، حتى يجد آلاف الشبان أنفسهم أمام وعد بالدخول إلى عالم الدراما والسينما، هكذا تحولت الورش الفنية من مساحة لتطوير المهارات إلى سوق مزدهرة تتداخل فيها الصناعة مع الاستثمار، والطموح مع التسويق، والتأهيل مع بيع الأحلام.
توسّع الإنتاج الدرامي والسينمائي، وظهور المنصات الرقمية التي تحتاج باستمرار إلى وجوه جديدة وكتّاب ومخرجين وفنيين، منح هذه الورش زخماً غير مسبوق. فإلى جانب التمثيل، امتدت إلى الكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج والنقد الفني، وأصبحت صناعة قائمة بذاتها تستقطب أسماء معروفة في الوسط الفني، وتحقق عوائد مالية كبيرة.
لكن هذا الانتشار فتح باباً لأسئلة أعقد من مجرد جدوى التدريب. هل نجحت الورش في سد فجوة لا تستطيع المؤسسات الأكاديمية تغطيتها؟ أم أنها تحولت إلى تجارة تستثمر في شغف الشباب؟ وأين تقف الحدود بين الورشة بوصفها مساحة تعليمية جادة، والورشة التي تبيع أملاً لا تملك تحقيقه؟ ثم ما موقف النقابات والمؤسسات الرسمية من هذا الواقع الذي يتوسع عاماً بعد آخر؟
مع اتساع الإعلانات التي تغزو منصات التواصل الاجتماعي وتستهدف الشباب الراغبين في دخول المجال الفني، وجد نقيب المهن التمثيلية، أشرف زكي، نفسه أمام ضرورة إطلاق تحذيرات متكررة. وأكد أن هذه الورش الاستثمارية لا تمت بصلة إلى نقابة المهن التمثيلية، ولا تحظى باعترافها، كما أنها لا تمثل مسوغاً للحصول على تصاريح العمل أو ممارسة المهنة.
لم يقتصر موقف النقابة على التحذير، بل امتد إلى الدعوة إلى تنظيم هذا القطاع. فقد طالب أشرف زكي أصحاب مكاتب الكاستينغ بالعمل تحت مظلة النقابة والتقدم بطلبات رسمية لتقنين أوضاعهم، بهدف الحد من العشوائية التي تحكم هذا النشاط، وحماية الشباب من الوقوع ضحية عمليات نصب تُسوَّق تحت عناوين التدريب أو توفير فرص العمل.
في المقابل، ترى الناقدة الفنية، خيرية البشلاوي، أن المشكلة لا تكمن في فكرة الورش نفسها، وإنما في غياب الضوابط التي تحكمها، وتؤكد، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أنها لا تعارض وجودها، لكنها ترفض أن تعمل خارج أي إطار مؤسسي أو إشراف أكاديمي يضمن الحد الأدنى من الجودة والمسؤولية.
تقول البشلاوي إن كثيراً من هذه الورش فقدت هدفها الأساسي، وتحولت إلى نشاط تجاري يبحث عن الربح قبل أي شيء آخر. تضيف أن "معظم هذه الورش تحولت في الآونة الأخيرة إلى سبوبة تجارية بحتة، ولم يعد الأمر مقتصراً على التمثيل أو الكتابة فحسب، بل امتد ليشمل ورشاً للنقد الفني لا تتجاوز مدتها الشهرين؛ فهل يعقل أن يُخرّج ناقد فني في ثمانية أسابيع؟".
تشير الناقدة إلى طبيعة المحتوى الذي يجري الترويج له وتتساءل: "هل من المنطق أن نطالع إعلانات لورش في الكتابة والسيناريو مدتها يوم واحد أو عطلة نهاية الأسبوع؟ هل اختصروا مجهود وتاريخ العمالقة من المؤلفين والروائيين ليقدموه في ساعات معدودة؟ هذا استخفاف بالوعي وبالفكر".
ترى البشلاوي أن الورش كان يمكن أن تمثل رافداً حقيقياً للحركة الفنية لو خضعت لإشراف نقابة المهن التمثيلية، أو اتحاد النقابات الفنية، أو وزارة الثقافة. أما استمرارها بعيداً عن أي رقابة، فيفتح المجال أمام سباق محموم لتحقيق الأرباح، ويهدد بإضعاف القيمة التعليمية والفنية التي يفترض أن تقوم عليها، الأمر الذي يستدعي، بحسب رأيها، تدخلاً من الجهات المعنية لتنظيم هذا المجال قبل أن تتسع آثاره على المشهد الإبداعي في مصر.
ولا يبتعد المخرج خالد يوسف كثيراً عن هذا التقييم، فقد أكد، في تصريحات سابقة، أن جانباً كبيراً من هذه الورش يقوم على استغلال تطلعات الشباب الراغبين في دخول الوسط الفني، من خلال الإيحاء بوجود طريق سريع إلى الاحتراف، بينما يتلقى بعض المتدربين تدريبهم على أيدي أشخاص يفتقرون إلى التأهيل الأكاديمي أو الخبرة اللازمة لنقل المعرفة الفنية نقلاً صحيحاً.
يشير يوسف إلى أن فكرة الورش ليست غريبة على الصناعة الفنية؛ فهي موجودة في مختلف أنحاء العالم، ضمن ما يعرف بـ Acting Studios، ويلجأ إليها ممثلون محترفون لتطوير أدواتهم والاستعداد لأدوار جديدة. غير أن الفارق، برأيه، يكمن في وجود منظومة قانونية وثقافية ونقابية تنظم عمل هذه المؤسسات، وتراقب جودة ما تقدمه، وهو ما لا يتوافر بالقدر نفسه في السوق المصرية.
امتدت هذه الظاهرة لتشمل قطاعات معرفية دقيقة مثل النقد الفني، فيروي أشرف المصري، الذي التحق بورشة نقد فني، تجربته قائلاً إن "ما يتلقاه المتدرب في هذه الورش لا يتعدى المعرفة النظرية السطحية بأسس النقد الفني والمدارس الأدبية، من دون وجود أي آليات للتطبيق العملي، ما ساهم في تلاشي المعلومات وعدم ثباتها، وبالتالي لم تتحقق الاستفادة المرجوة".
وأضاف المصري أن القائمين على الورش يبدون مرونة مفرطة، ويقدمون جميع التسهيلات اللوجستية لضمان استمرار المتدربين وعدم ضياع العائد المادي، فأتاحوا خيار الحضور الافتراضي عبر الإنترنت مقابل مبالغ تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه مصري، وهو مبلغ يراه كبيراً مقارنة بالمحتوى الهش وغير المثمر الذي قُدّم.
كشف ازدهار الورش الفنية حاجة السوق إلى التأهيل العملي خارج الأكاديميات
بدورها، تنقل لنا سمية العشري، الطالبة في أكاديمية الفنون، زاوية أخرى للظاهرة من واقع تجربتها وتجارب زملائها في ورش المونتاج والإخراج والسيناريو. تقول إن "نسبة الاستفادة الفعلية من الورش الخاصة لا تتجاوز 50% في أفضل أحوالها؛ فهي لا تعدو كونها قراءة جماعية لكتاب مبسط يشرح المبادئ الأولية للغة السينمائية والدرامية".
تشير العشري إلى معضلة أخرى تتعلق بالتشغيل بعد انتهاء التدريب، مؤكدة أن نسبة ضئيلة جداً من الخريجين ينجحون في الحصول على فرصة عمل مساعدي إخراج أو مصورين، وغالباً ما تكون هذه الفرص محكومة بـ"المعارف والعلاقات الشخصية" داخل الوسط الفني، وليس بناءً على مخرجات الورشة أو كفاءة المتدرب، ما يرسّخ فكرة تدوير الفرص لشبكات المصالح الفردية.
وبين مَن يرى الورش بوابة للاحتراف، ومَن يعتبرها مشروعاً استثمارياً يستفيد من أحلام الشباب، نشأت سوق اقتصادية كاملة لها قواعدها وأسعارها وفئاتها المختلفة.
ففي أدنى السلم السعري، توجد جهات حكومية ومستقلة تقدم برامج تدريبية برسوم محدودة، من أبرزها مركز الإبداع الفني التابع لوزارة الثقافة بإدارة المخرج خالد جلال، إلى جانب قصر السينما، وبعض الاستوديوهات المستقلة التي راكمت خبرة طويلة في التدريب، مثل "استوديو القاهرة" واستوديو "لوك لينر".
أما القطاع الخاص فيقدم طيفاً من الورش التي تختلف أسعارها، بحسب اسم المدرب، وعدد الساعات، وطبيعة البرنامج. تأتي ورش دالياز دراما ضمن الفئة المتوسطة، إذ تتراوح رسومها بين ألفي جنيه وستة آلاف جنيه مصري (بين 40 و120 دولاراً)، مقابل برامج تمتد لثلاثة أو أربعة أسابيع.
وعند قمة الهرم السعري، تظهر كيانات استثمارية أكبر، من بينها "عرب فيلم سكول (Arab Film School)، إذ تبدأ رسوم البرامج المخصصة للمبتدئين من عشرة آلاف جنيه مصري، وقد تصل في المستويات المتقدمة إلى ثلاثين ألف جنيه، وفق عدد الجلسات وطبيعة المحتوى التدريبي.
ورغم الانتقادات، يرفض عدد من العاملين في المجال اختزال الصورة في نماذج الورش التجارية، ويؤكدون أن هناك تجارب احترافية تقدّم تدريباً حقيقياً يسد جوانب لا تغطيها الدراسة الأكاديمية. ومن بين هؤلاء الفنان حسام داغر، مدير "استوديو الممثل"، الذي أشرف على تدريب وإدارة عدد من ورش التمثيل. يقول إن الورشة التي يقدمها تقوم على منهجية واضحة تستهدف تطوير أدوات الممثل، سواء أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، من خلال برنامج يعتمد على التطبيق العملي أكثر من المحاضرات النظرية.
يشير داغر إلى أن التدريب يجمع بين بناء المهارة التقنية وتنمية القدرة على التعبير الصادق، مع اعتماد كبير على منهج سانفورد ميزنر (Meisner Technique)، الذي يقوم على التفاعل اللحظي بين الممثل وشريكه في المشهد، والابتعاد عن الأداء المصطنع. يشرح أن البرنامج يتضمن تدريب المشاركين على تحليل الشخصية، وبناء ملفها النفسي والاجتماعي، وفهم دوافعها، إلى جانب تمارين متخصصة في الحركة والتعبير الجسدي، بما يساعد الممثل على اكتشاف أدواته الخاصة والتعامل بثقة أكبر أمام الكاميرا.
ويؤكد أن نجاح أي ورشة لا يقاس باسم المدرب أو شهرته، وإنما بقدرتها على الجمع بين التدريب العملي والنقاش والتجريب، وإتاحة مساحة آمنة للمشارك كي يختبر إمكاناته ويطوّرها بعيداً عن التلقين.
بدورها، تقدم مدربة التمثيل ومديرة اختيار الممثلين (Casting Director)، مروة جبريل، قراءة مختلفة لطبيعة العلاقة بين الورش والمعاهد الأكاديمية، معتبرة أن المقارنة بينهما ليست دقيقة، لأن كلاً منهما يؤدي وظيفة مختلفة.
توضح أن الورش الاحترافية تركّز على التمثيل أمام الكاميرا (Acting for Camera)، وهو مجال يحتاج إلى مهارات تختلف عن تلك التي يتدرّب عليها الطالب داخل المعهد العالي للفنون المسرحية. فالممثل السينمائي مطالب بالتحكّم في أدق تعبيرات الوجه، وفهم حركة الكاميرا، وزوايا التصوير، والإضاءة، وطبيعة الأداء الذي تحتمله العدسة، بينما يعتمد الأداء المسرحي على أدوات مختلفة، أبرزها قوة الإلقاء، واتساع الحركة، والقدرة على الوصول إلى المتفرج في آخر صفوف المسرح.
ترى جبريل أن هذا الاختلاف لا يجعل أحد المسارين بديلاً عن الآخر، بل يفسر الحاجة إلى الورش حتى بالنسبة لخريجي المعاهد، لأن متطلبات الشاشة تختلف عن متطلبات المسرح، وتفرض على الممثل اكتساب تقنيات إضافية لا توفرها الدراسة الأكاديمية دائماً. وتكشف أيضاً عن جانب آخر من عمل هذه الورش، يتمثل في تدريب ممثلين محترفين ونجوم معروفين، وليس المبتدئين فقط. فعدد من الفنانين يلجأون إلى Acting Coach قبل بدء تصوير أعمال جديدة، من أجل الاستعداد لشخصيات معقدة، أو اختبار أساليب أداء مختلفة، أو تفكيك البنية النفسية للشخصية قبل الوقوف أمام الكاميرا.
تشير جبريل إلى أنها عملت مدربة أداء ومستشارة فنية مع عدد من أبرز نجوم الصف الأول في مصر، من بينهم دنيا سمير غانم، ونيلّي كريم، وأحمد فهمي، ومنى زكي، وميريهان حسين، وغيرهم، مؤكدة أن التدريب في هذه الحالات لا يهدف إلى تعليم أساسيات التمثيل، وإنما إلى بناء الشخصية من الداخل، وتحليل أبعادها النفسية والفيزيائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات مركبة أو ذات اضطرابات نفسية لم يسبق للممثل تقديمها.