"المومياء" وثائقي حول تحنيط لينين على طريقة الفراعنة يثير الجدل في روسيا

08 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 14:06 (توقيت القدس)
يتميز ضريح لينين بهيكل مدرج، فبراير 2018 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار الفيلم الوثائقي "المومياء" جدلاً في روسيا بمقارنته بين تمجيد ضريح لينين والممارسات الوثنية، مما أغضب الحزب الشيوعي الروسي الذي هدد بإدراج القناة المنتجة كـ"عميل للخارج".
- يتناول الفيلم تحنيط جثمان لينين، ويقدم شهادات تنتقد دوره التاريخي، ويعيد الجدل حول مصير ضريحه، داعياً للتركيز على تحديات العصر والنظر للتاريخ بموضوعية.
- بينما تحتفظ روسيا وبيلاروسيا بتماثيل لينين، تسعى الجمهوريات السوفييتية السابقة لإزالة رموزه، ويظل مصير ضريحه موضوع انقسام أيديولوجي في روسيا.

يتواصل في روسيا منذ أيام عدّة الجدل حول فيلم وثائقي أنتجته قناة سباس الدينية المرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، يتناول تاريخ ضريح زعيم ثورة البلاشفة فلاديمير لينين الكائن في الساحة الحمراء إلى جوار الكرملين، من خلال مقارنة تمجيده بالممارسات الوثنية في مصر القديمة وبلاد الرافدين.

وأثار فيلم "المومياء"، من إعداد وتقديم الروسي أندريه أفاناسييف، غضب الحزب الشيوعي الروسي إلى حدّ أنه طرح، خلال مؤتمره الـ19 المنعقد في ضواحي موسكو في الخامس من يوليو/تموز الحالي، مقترحاً لإدراج قناة سباس على قائمة "العملاء للخارج"، في حال ثبت تمويل الفيلم من مصادر أجنبية.

ويُعد الحزب الشيوعي ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد بعد حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، وتضم نواته الصلبة قطاعاً واسعاً من السكان المتمسكين بزمن الاتحاد السوفييتي وأمجاده، ولذلك يرفضون المساس بشخصية لينين.

يرصد الفيلم، الذي صُوّر جزء منه في مصر والعراق، ما اعتبره معدّوه مظاهر وثنية في تمجيد لينين، على غرار الطقوس الفرعونية في مصر القديمة والرموز الدينية في حضارات ما بين النهرين. وأثناء جولته في محيط الأهرامات المصرية، يتوقف مقدّم الفيلم عند التشابه بين هيكل ضريح لينين وهرم زوسر المدرّج في منطقة سقارة، العائد إلى عهد الأسرة الثالثة في المملكة القديمة.

كما يتضمّن الفيلم تفاصيل مثيرة حول عملية تحنيط جثمان لينين، ويقدّم شهادات لخبراء ومؤرخين يوجّه معظمهم انتقادات لدور لينين في التاريخ الروسي، ويستنكرون إبقاء "المومياء" في ضريح وسط موسكو. كما يوثّق الفيلم أبرز محاولات الاعتداء على التابوت الزجاجي المُودَع فيه الجثمان، مع إشارات تُفهَم على أنها إشادة ببعض منفذيها.

ويقول كبير الباحثين في معهد علم الاجتماع التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أندريه أندرييف، إن فيلم "المومياء" أعاد إلى الواجهة الجدل الدائر منذ عقود حول مصير ضريح لينين، وهو جدل يعكس انقسام المجتمع الروسي حيال الإرث السوفييتي، داعياً إلى ترك هذه المسألة لحكم الزمن.

ويضيف أندرييف، الذي عمل سابقاً باحثاً في معهد الماركسية اللينينية خلال الحقبة السوفييتية المتأخرة، في حديث إلى "العربي الجديد": "هذا الجدل ليس طارئاً، بل هو مستمر منذ عقود، ويعكس انقساماً أيديولوجياً تتراجع حدّته حيناً وتشتد حيناً آخر بين محبّي الاتحاد السوفييتي ولينين ومعارضيهما. لكنني أعتقد أن الوقت قد حان للتركيز على تحدّيات العصر، بدلاً من تركة الماضي".

وعن تقييمه لدور لينين في التاريخ الروسي، يُضيف: "لا ينبغي تمجيد لينين أو تصويره باعتباره (الجد الطيّب والحنون)، كما كان يتم تقديمه في الحقبة السوفييتية، بل يجب الإقرار بأنه من أبرز الشخصيات التاريخية، حتى وإن أصدر أوامر إجرامية، شأنه في ذلك شأن كثيرين غيره. وقد آن الأوان للكفّ عن النظر إلى التاريخ بالأبيض والأسود فقط، فالأمور أعقد من ذلك"، ويخلص إلى أنّ "القرارات التاريخية وحدود المقبول والمرفوض لا يمكن قياسها بموازين صيدلة دقيقة"، على حد تعبيره.

وبين حين وآخر، يثير مصير ضريح لينين انقسامات أيديولوجية في المجتمع الروسي، بين من يرى ضرورة دفن جثمانه، وآخرين يُصرّون على بقائه في ضريحه في أهم ساحة في البلاد، من دون أن تحسم السلطات الروسية موقفها النهائي من القضية، في ظل تمسّك الحزب الشيوعي بمكانة "الزعيم" في تاريخ روسيا وتأسيس الاتحاد السوفييتي.

في المقابل، تسعى غالبية الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى طيّ صفحة اللينينية وإزالة تماثيله. ومن آخر هذه المحاولات، تفكيك واحد من أعلى تماثيل لينين في مدينة أوش القرغيزية في يونيو/حزيران الماضي. أما أوكرانيا، فأزالت في بداية عام 2021 آخر تمثال للينين في مقاطعة أوديسا المطلة على البحر الأسود، في إطار برنامج "اجتثاث الشيوعية" الذي تنتهجه السلطات الموالية للغرب منذ عام 2014. وبذلك، تبقى روسيا وحليفتها بيلاروسيا وحدهما تزخران بتماثيل لينين في الساحات الكبرى لمدنهما.

يُذكر أنّ فلاديمير لينين (1870–1924) هو أبرز قادة حركة التمرّد التي أسفرت عام 1917 عن إقامة سلطة السوفييت وسيطرة البلاشفة على مقاليد الحكم. أسّس البلاشفة نوعاً جديداً من الدولة كانت تهدف إلى تحقيق "ثورة اشتراكية عالمية"، مستندة إلى أيديولوجيا ترفض إمكانية إصلاح الرأسمالية. وعام 1922، اعتزل لينين الحياة السياسية النشطة بعد إصابته وتدهور حالته الصحية إثر محاولة اغتيال نفذتها امرأة تُدعى روزا كابلان، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في استراحته في ضواحي موسكو عام 1924.