الموسيقى قد تكون الدواء الأكثر أماناً لدوار السفر

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:27 (توقيت القدس)
يعيق دوار الحركة متعة السفر لكثير من الأفراد (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة أن الموسيقى المبهجة والناعمة تقلل من أعراض دوار الحركة، حيث قللت الموسيقى المبهجة الأعراض بنسبة 57.3%، بينما زادت الموسيقى الحزينة من الشعور بالغثيان.
- أظهرت بيانات تخطيط كهربية الدماغ تغيّرات في نشاط الفص القذالي، حيث عادت حالة الدماغ إلى طبيعتها مع تحسن المشاركين، ويُعتقد أن الموسيقى المبهجة تنشط نظام المكافأة في الدماغ.
- يشير الباحثون إلى الحاجة لدراسات أكبر لفهم تأثير التفضيلات الموسيقية، ويقترحون قوائم موسيقية مبهجة كبديل آمن للأدوية التقليدية لعلاج دوار الحركة.

في كل رحلة طويلة، هناك من يترقّب اللحظة التي ستهتز فيها معدته وتغمره موجة الغثيان أو دوار الحركة، أو ما يُعرف بمرض السفر. يفسد ذلك متعة التنقّل لملايين الأشخاص حول العالم. وبينما يلجأ بعضهم إلى الأدوية المهدِّئة، يتجنّبها كثيرون بسبب آثارها الجانبية المزعجة مثل النعاس الشديد. لكن دراسة علمية حديثة، نُشرت يوم الثالث من سبتمبر/أيلول الحالي في مجلة Frontiers in Human Neuroscience، تقترح حلاً غير متوقّع: الموسيقى.

في تجربة أجراها فريق بحثي صيني، توصّل المؤلفون إلى أنّ الاستماع إلى أنواع محددة من الموسيقى يمكن أن يساعد في تخفيف أعراض دوار الحركة. الموسيقى المبهجة والناعمة كانت الأكثر فاعلية، بينما بدت الموسيقى الحزينة وكأنها تزيد الوضع سوءاً. يقول الباحث الرئيسي في الدراسة، كيزونغ يوي (Qizong Yue)، وهو باحث ما بعد الدكتوراه في معهد الصين للموسيقى والصحة العقلية في جامعة جنوب غربي الصين، في تصريح لـ"العربي الجديد": "يعيق دوار الحركة متعة السفر لكثير من الأفراد، بينما الأدوية التقليدية تحمل آثاراً جانبية. نحن نبحث عن وسائل طبيعية، والموسيقى توفر تدخلاً آمناً وغير مكلف".

لمعرفة التأثير، طوّر الفريق جهاز محاكاة قيادة خاصاً قادراً على إثارة أعراض الغثيان. بدأوا بتجربة مسارات افتراضية على 40 شخصاً لاختيار الطريق الأكثر إثارة لدوار الحركة، ثم وقع الاختيار على 30 مشاركاً ممن لديهم تجارب سابقة متوسطة مع المرض. يوضح يوي قائلاً: "ارتدى هؤلاء المشاركون قبعات تخطيط كهربية الدماغ لرصد نشاط الدماغ، وقُسّموا إلى ست مجموعات: أربع منها استمعت إلى موسيقى مختلفة (مبهجة، ناعمة، عاطفية، حزينة)، مجموعة خامسة لم تستمع إلى شيء، وسادسة توقّفت أجهزتها عند أول إشارة للغثيان".

بدأت التجربة بقياس نشاط الدماغ في حالة الراحة، وبعد ذلك قاد المتطوعون داخل جهاز المحاكاة حتى بدأوا يشعرون بالدوار. ثم استمعت كل مجموعة إلى نوع الموسيقى المخصّص لها لدقيقة واحدة قبل أن تُسجّل مستوى الغثيان.

يشير الباحث إلى أنّ النتائج لم تكن متوقّعة للفريق، إذ قلّلت الموسيقى المبهجة الأعراض بنسبة 57.3%، بينما حقّقت الموسيقى الناعمة تحسناً بنسبة 56.7%. أما الموسيقى العاطفية فجاء تأثيرها أقل (48.3%). لكن أكثر ما أثار انتباه الباحثين أنّ الاستماع إلى موسيقى حزينة لم يحقق سوى 40% من التحسّن، أي أقل من الراحة في صمت (43.3%).

هذه النتائج مدعومة ببيانات قبعات تخطيط كهربية الدماغ، التي أظهرت تغيّرات في نشاط الفص القذالي، المسؤول عن المعالجة البصرية. وأوضحت النتائج أنّه كلما تحسّنت حالة المشاركين، عاد نشاط الدماغ تدريجياً إلى طبيعته. ويفترض الباحثون أنّ الموسيقى المبهجة تنشّط نظام المكافأة في الدماغ فتشتت الانتباه عن الإحساس المزعج، بينما تساعد الموسيقى الناعمة على الاسترخاء وخفض التوتر. في المقابل، تضخّم الموسيقى الحزينة المشاعر السلبية وتزيد المعاناة.

ويقول يوي: "تشير نتائجنا بوضوح إلى أنّ الأفراد الذين يعانون من أعراض دوار الحركة يمكنهم الاستماع إلى موسيقى مبهجة أو ناعمة لتحقيق الراحة. لا يقتصر الإطار النظري لدوار الحركة على السيارة فقط، بل يشمل الطائرة والسفينة، لذا يمكن تعميم النتائج على مختلف أنماط السفر". ويضيف: "الفكرة الأساسية أن الموسيقى قادرة على إعادة ضبط الحالة العاطفية للإنسان، وكلما شعر المسافر بالطمأنينة أو الانشغال الإيجابي، تراجعت أعراض الدوار".

ورغم النتائج المشجّعة، لا يزال أمام العلماء طريق طويل، فالعينة التي خضعت للتجربة صغيرة نسبياً، ما يحدّ من قوة النتائج الإحصائية. لذلك، يدعو الفريق إلى إجراء دراسات أكبر وتجارب ميدانية أثناء السفر الحقيقي، إذ قد يختلف تفاعل الدماغ مع البيئة مقارنة بالمحاكاة. ويخطط الفريق البحثي لدراسة تأثير التفضيلات الموسيقية الشخصية، فالموسيقى التي يعتبرها شخص ما مبهجة قد لا يكون لها الأثر نفسه على آخر. هذا البعد الفردي قد يفتح الباب لتطوير قوائم موسيقية مخصّصة، أشبه بروشتة علاجية شخصية لدوار الحركة.

تطرح الدراسة رؤية جديدة: بدلاً من الاعتماد على الأدوية وآثارها الجانبية، يمكن للمسافرين تجهيز قائمة مليئة بالأغاني المبهجة أو الهادئة. إذ لا يتطلّب الأمر أكثر من سماعات أذن وهاتف ذكي. ويختتم يوي: "إذا تأكّدت النتائج في دراسات مستقبلية، قد تصبح النصيحة الطبية بسيطة: خذ معك سماعتك واستمع إلى ما يجعلك سعيداً. الموسيقى قد تكون الدواء الأكثر أماناً وسهولة".

المساهمون