الملابس المستعملة في لندن... عاصمة الضباب تعيد اكتشاف الموضة

06 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 23:48 (توقيت القدس)
أماكن لا تشبه واجهات العلامات الفاخرة التي تتلألأ في شارع أكسفورد (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد متاجر الملابس المستعملة في لندن تحولاً كبيراً، حيث أصبحت وجهة للشباب الباحث عن الأناقة المستدامة، مما يعكس تحولاً ثقافياً في نظرة المجتمع نحو الاستهلاك والموضة.
- يُنظر إلى شراء الملابس المستعملة كجزء من حركة نحو الاستدامة البيئية، حيث يربط 80% من المتسوقين في المملكة المتحدة ذلك بالاستدامة، ويبيع ثلث الشباب مقتنياتهم عبر منصات إعادة البيع.
- تعكس قصص الأفراد كيف أصبحت الملابس المستعملة وسيلة للتعبير عن الذوق الفردي، وأصبحت جزءاً من الحركة الثقافية في لندن، مما يضفي عليها قيمة تتجاوز الموضة السريعة.

في مدينة تتغيّر ملامحها بسرعة تعجز الخرائط عن مواكبتها، تقف متاجر الملابس المستعملة في لندن كأنها جيوب صغيرة تقاوم النسيان. إنها أماكن لا تشبه واجهات العلامات الفاخرة التي تتلألأ في شارع أكسفورد، ولا تصرخ بشعارات الموضة الموسمية، بل همساتها تأتي من مسافات أبعد: من خزائن نساء رحلن، ومن ليالٍ حضرتها فساتين لم تعد تتذكر اسم المناسبات التي زُيّنت بها. هنا، يمكن للمرء أن يشتري قطعة لا تباع بوزن علامتها التجارية، بل بوزن قصتها.

في الأسابيع الأخيرة، تجولت بين أرفف هذه المتاجر التي تُعرف محلياً بـ"الخيريات" أو Pre-loved، من جنوبي لندن حتى أطراف ووكينغ وسري، حيث تُباع الملابس المستعملة بأسعار بسيطة، وغالباً لمصلحة مشاريع خيرية وإنسانية. تغيّرت النظرة الاجتماعية إلى هذه الأماكن؛ فلم تعد دليل عوز أو رمز طبقة دنيا، بل تحوّلت إلى موضة بحد ذاتها، يقصدها شباب واعٍ يريد أن يرتدي ما يُشبهه وليس ما يُفرض عليه. ببطءٍ وثقة، صارت هذه المتاجر فضاءً للحضور الثقافي ولإعلان موقف جريء من العالم: أناقة بلا هدر. تغيّر المشهد كاملًا داخل هذه المتاجر؛ فلم تعد وجهتها محصورة بمن يبحث عن سعر أقل، بل بمن يبحث عن معنى مختلف للموضة.

موظفة في خيرية برناردوس جنوبي لندن، تدعى جيسيكا قالت لـ"العربي الجديد"، بينما تعيد ترتيب مجموعة من السترات: "نحن هنا لنضمن أن يتمكن الناس من الحصول على ملابس جيدة بأسعار عادلة، وأن نُعيد استثمار العائدات في دعم الأطفال والعائلات التي تحتاج ما هو أكثر من الثياب". تضيف بانتقاد واضح: "بعض الخيريات بدات أخيراً برفع الأسعار بطريقة تفقد هذه المتاجر معناها الأول. وجودنا ليس تجارة بحتة، بل مساحة تضامن اجتماعي".

في نظر كثيرين، لم يعد هذا التحوّل ظاهرة هامشيّة؛ فبحسب تقرير الجمعية البريطانية لتجارة متاجر التبرعات الإحصائي (Charity Retail Association) لعام ⁠2024، فإن ثمانية من كل عشرة متسوقين في المملكة المتحدة يربطون شراء الملابس المستعملة بالاستدامة البيئية وتقليل الهدر. وفي دراسة تحليلية لشركة ريتيل إيكونوميكس البريطانية، متخصصة في اقتصاد التجزئة (2025)، تبين أن نحو ثلث الشباب يبيعون جزءاً من مقتنياتهم عبر منصات إعادة البيع الرقمية، ما يخلق دورة اقتصادية صغيرة تدعم القدرة الشرائية من دون استهلاك موارد إضافية. يؤكد تقرير الاقتصاد التجاري في المملكة المتحدة لعام 2025 أن واحداً من كل ثلاثة شباب بات يبيع ما لا يحتاج إليه عبر منصّات إعادة البيع، في دورة اقتصادية صغيرة تعيد تدوير الأشياء كما تعيد تدوير المال نفسه داخل الحياة اليومية. هكذا تعود القطعة إلى لظهور مرات عدة… ترتديها امرأة، ثم ابنتها، ثم فتاة لا تعرف شيئًا عنهما. تتنقل قطعة القماش بين الأجيال، بلا لجان تصميم ولا دور أزياء تُغيِّر لون ما نرتديه كل موسم. وبينما تتآكل الثروة البصرية لعالم الموضة السريعة، تبقى هذه القطع حاملة لذاكرةٍ من خياطة يدٍ ماهرة وطلبٍ مخصص واحتفال قديم.

بين رفوف خيرية سانت رافاييلز كليرنس ستور جنوبي لندن، قالت مريم، وهي شابة في الثلاثينيات من العمر، اعتادت أن تعبر هذا الباب كل صباح: "أرى الوجوه ذاتها تتكرر كل يوم. صار لنا مجتمع صغير هنا". فالبعض يأتي لأنه بحاجة إلى قطعة دافئة لا تكسر راتبه الشهري، فيما يأتي آخرون مثل مريم بحثاً عن قطع نادرة يمكن أن تباع لاحقاً على منصّات مثل eBay وVinted، أو تحتفظ بها كنزاً صغيراً. وأضافت لـ"العربي الجديد": "أحياناً أشتري لأرتدي، وأحياناً لأربح القليل من المال… ودائماً أبحث عن قطعة لها نادرة أو مميزة".

روت أنّها ذات مرّة عثرت على فستان كحليّ اللون، بياقة بيضاء صغيرة وأزرار مصطفّة على جانب واحد، بخياطة بدا كأن أحدهم صممها لزبونة خاصة في زمن كانت الخياطة تهيمن على السوق وقبل انتشار الموضة السريعة. "كان سعره خمسة جنيهات فقط"، قالت وهي تريني صورته على هاتفها، وأضافت: "شعرتُ من أول نظرة أن وراءه حكاية مخفية". وبالفعل، حين وصلت إلى بيتها، اكتشفت داخل بطانة الفستان بطاقة صغيرة كتب عليها: لويزا لورينسون ووربلزدون. هنا بدأت مغامرة البحث. فتحت مريم الإنترنت وبدأت تتتبع الاسم، لتكتشف أن لويزا لورينسون كانت مصمّمة أزياء تُعرّف نفسها بكلمة كوستوميير، تفصّل حسب الطلب، توعمل في منطقة ووربلزدون جنوبي بريطانيا منذ الثلاثينيات. كانت تستقبل السيدات في الطابق السفلي وتخيط الفساتين في العلّية، قبل اختفاء اسمها تدريجياً في السبعينيات مع تغيّر عالم الموضة. مصدر محلي يوثّق تلك الحقبة في تاريخ ووربلزدون يؤكد حضورها، ويظهر إعلانات قديمة لخدمتها. صرحت مريم: "شعرتُ أن بين يدي جزءاً من تاريخ لا يُقدّر بثمن، وأنني اشتريته بخمسة جنيهات فقط… هذا أجمل ما يحدث في الخيريات".

حول العالم
التحديثات الحية

لم تكن هذه المرة الأولى التي تعثر فيها مريم على فساتين لها قيمة تاريخية. أحياناً، تبيع ما لا يناسبها، فتعود القطعة إلى دورة جديدة من الحياة. وأحياناً ترتدي قطعة ثمينة في مناسبة، لتنهال عليها الأسئلة: من أي متجر فاخر اشتريته؟ لتتلاعب في الرد كما يحلو لها وتعلّق: "إنها لعبة لذيذة: قطعة فاخرة بثمن زهيد وقيمة مضاعفة".

وراء هذا الصعود المتسارع للموضة المستعملة عوامل أعمق مما يبدو عند باب متجر خيري بسيط. فوفقاً لهيئة الاستدامة البريطانية للأزياء لعام 2024، يشكّل قطاع الملابس أحد أكثر القطاعات استنزافاً للموارد؛ إذ تُقدَّر كمية المنسوجات التي تُرمى سنوياً في المملكة المتحدة بحوالي 1.7 مليون طن، بينما لا يُعاد تدوير سوى نسبة محدودة منها، ما يدفع إلى البحث عن بدائل تُبطئ هذا الهدر المريع. ومن هنا، أخذ المستهلك، ولا سيما الشباب، يبحث عن خيارات تتصالح مع ضميره البيئي من دون التضحية بالأناقة. تذهب دراسة صادرة عن مؤسسة الأبحاث البريطانية للشباب والمجتمع (2025) إلى أن قرابة 65% من الشابات والشبان يرون أن ارتداء الملابس المستعملة أصبح تعبيراً عن الذوق الفردي والتفرّد وليس عن الحاجة أو العوز، ما أعاد صياغة النظرة الاجتماعية لهذه الأسواق التي كانت تُوصَف حتى سنوات قريبة بأنها ملجأ لمن لا يملكون رفاهية الشراء من المتاجر الكبرى.

اليوم، بات ارتياد أسواق الملابس المستعملة فعلاً يقترب من إعلان موقف ثقافي، يرد على سرعة الاستهلاك بأسلوب أكثر بطئاً ووعياً، بل إن بعض الباحثين في علم الاجتماع يشيرون إلى أن هذه المتاجر لعبت دوراً في كسر هرم التفاخر الاقتصادي الذي لطالما طبع عالم الموضة؛ فالثوب الذي يحمل أثر زمنٍ مرّ، أو توقيع مصممٍ غاب، قد يكتسب قيمة تُضاهي القطع الفاخرة الجديدة وربما تتجاوزها لأنه يحمل قصة لا يمكن نسخها.

قد لا يتعلق الأمر بالثياب وحدها؛ فالتغيير هنا سوسيولوجي قبل أن يكون استهلاكياً. في الماضي، كان المرور أمام متاجر الملابس المستعملة يكفي لإطلاق أحكام تقليدية: "هؤلاء يشترون لأنهم لا يملكون". الآن، تعبر فتيات الجامعات وهن يرفعن رؤوسهن بثقة، يبحثن عن قطعة لا يملكها أحد غيرهن. تتوقف الموضة عن أن تكون طبقة اجتماعية وتصبح هوية. ويصبح التوفير ذكاءً لا عاراً. في لندن اليوم، يمكنك أن ترى شاباً يخرج من متجر خيري بقطعة فريدة، إلى جانب سيدة أنيقة تملك من المال ما يكفي لشراء كل جديد؛ كلاهما يبتسم للقطعة ذاتها لأنها حكايتهما المشتركة. وفي هذه المفارقة، تكمن شاعرية جديدة: ملابس عاشت من قبل وتستمر في العيش، تُذكّرنا بأن الأشياء التي تستمر أجمل من تلك التي تُستهلك سريعاً. هذه المتاجر الصغيرة، التي كانت ذات يوم على هامش المدينة، صارت اليوم جزءاً من حركتها الثقافية. هنا، لا يُقاس الجمال بما نشتريه حديثاً، بل بما نُنقذه من النسيان. وبين أرفف الخيريات، تستعيد لندن أناقتها القديمة، بلا ضجيج… أناقة بلا هدر.

المساهمون