استمع إلى الملخص
- تميزت بصوتها العذب، وتعاونت مع ملحنين كبار مثل رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب، حيث كانت أغنية "يا ناسيني وأنا عمري ما أنسى حبك" نقطة تحول في مسيرتها.
- رغم بدايتها في السينما، تعاونت مع نخبة من الملحنين والشعراء، وقدمت أكثر من 300 عمل غنائي، واعتزلت تدريجياً تاركة إرثاً غنائياً غنياً حتى وفاتها في 2013.
استطاعت المطربة المصرية شهرزاد أن تنتزع لنفسها مكاناً مقدّراً بين أهل الفن في عصرها، لا يكاد يعترف إلا بالمواهب الحقيقية، وإذاعة كانت تضن بأثيرها إلا على من امتلك صوتاً آسراً، وتمرّس بأداء يُعجب ويطرب، في ظل حالة فنية بلغت ذروة التوهج، تتزعمها أم كلثوم، ويحكمها عبد الوهاب.
قبل أن تحمل اسمها الفني، نشأت الطفلة شفيقة محمد السيد في رعاية أب يحب الغناء الشرقي، ويستمع بانتظام إلى أدوار صالح عبد الحي ومنيرة المهدية وزكي مراد وغيرهم من أعلام الغناء، ويهيم بقديم أغاني عبد الوهاب في العشرينيات والثلاثينيات.
تعلقت شهرزاد بتلك الأصوات، وحفظت كثيراً مما سمعته من تسجيلاتهم. لكن والدها عاد يوماً إلى البيت وهو يحمل أسطوانة لأغنية أم كلثوم "النوم يداعب عيون حبيبي"، التي كان وقعها على الفتاة هائلاً، وأثرها بالغ العمق. نسيت شهرزاد كل المطربين، وامّحت من ذاكرتها كل الأصوات، ولم تعد تستمع إلا إلى أم كلثوم، ولا تمنح وقتها إلا لتسجيلاتها، حتى حفظت كل أغانيها حفظاً دقيقاً، وصارت تؤديها بإتقان وتفنن، وأخذت ترددها لزميلاتها بمدرستها في حي الحلمية العريق بقلب القاهرة.
كان غناء شهرزاد في المدرسة بداية لتفاعلات وترتيبات أوصلتها إلى دور البطولة في أوبريت "العشرة الطيبة"، أحد أشهر أعمال سيد درويش، فقد استمع إليها الرائد المسرحي زكي طليمات وهي تغني "يا طول عذابي"، فعرض عليها المشاركة في التمثيل والغناء على مسرح دار الأوبرا، لتجد نفسها وسط كوكبة من نجوم الغناء والتمثيل، في مقدمتهم كارم محمود، وحسين رياض، وفؤاد شفيق، وشريفة فاضل. استلزم الأمر إقناع والدها، فتولى طليمات المهمة بنفسه، وقبل الوالد وهو يقول: أوافق إكراماً لسيد درويش.
يشعر من يرصد المراحل الأولى من مسيرة شهرزاد الفنية أن الأقدار كانت تعبد الطريق أمامها، وتسهل الصعاب التي يمكن أن تعرقلها، بل تضع في طريقها من يأخذ بيدها ويصقل موهبتها. فبعد أربعة أشهر من البروفات، جاء موعد العرض الافتتاحي لأوبريت العشرة الطيبة، لتفاجأ المطربة الصاعدة بحضور أم كلثوم التي أعجبت بالموهبة الجديدة، ومنحتها طاقة تشجيعية كبيرة: صوتك حلو يا شهرزاد.
قبل التعرف إلى أم كلثوم، وقبل التمثيل والغناء المسرحي، كانت شهرزاد قد تعرفت إلى رياض السنباطي، عن طريق أخيها شفيق السيد الذي كان يدرس العود في معهد الموسيقى العربية. وبعد أن أبدى السنباطي إعجابه بصوتها، ومع النجاح الذي حققه أوبريت العشرة الطيبة، تشجعت شهرزاد وطلبت من السنباطي أن يعدّ لها لحناً تجتاز به اختبار الإذاعة، فاختار الرجل كلمات للشاعر الغنائي حسين السيد بعنوان "أول ما جيت في المعاد"، ولحنها خصيصاً للمطربة الشابة، فكان العمل جواز مرورها أمام لجان الاستماع عام 1952، كما كان بداية شهرتها بين جمهور الراديو.
يمكن اعتبار مرحلة الاستماع المنزلي أولى الخطوات التأسيسية التي مرت بها شهرزاد، ثم كانت الخطة الثانية بتشرب أعمال أم كلثوم وحفظ أغنياتها والتمرن على إتقان أدائها. لكن خطوات الصقل تواصلت، فقد التحقت شهرزاد بمعهد الموسيقى العربية، وتلقت تدريبات الأداء الصوتي وتقنيات الغناء الغربي على يد الأستاذ الإيطالي برونيتي، عازف التشيلو في دار الأوبرا المصرية، كما تلقت أساليب الغناء الشرقي على يد الشيخ بدوي ناصر، كما أن الغناء المسرحي أكسبها قدرة تعبيرية واضحة.
كان رياض السنباطي، الذي اشتهر بأنه "لا يعجبه العجب"، مقتنعاً بصوت شهرزاد، فقدم لها أكثر من 20 لحناً، من بينها أو بالأحرى في مقدمتها "يا ناسيني وأنا عمري ما أنسى حبك" من كلمات مأمون الشناوي. حققت هذه الأغنية نجاحاً كبيراً، وصارت مطلباً جماهيرياً في كل حفل تظهر فيه شهرزاد لأكثر من 20 عاماً.
أثار هذا اللحن كلاماً كثيراً من النوع الذي تحبه الصحافة الفنية، وتحدّث كثيرون عن معاتبة أم كلثوم للسنباطي لأنه لم يعرض عليها اللحن، كما كتب كثيرون أن هذه الأغنية السنباطية كانت السبب في اهتمام عبد الوهاب بشهرزاد، وتقديمه الألحان إليها. والحقيقة أن السنباطي لفت انتباه الوسط الفني كله إلى الأغنية، ليس بلحنه فقط، وإنما بحضوره التسجيل ليعزف بنفسه على عوده جزءاً من مقدمة اللحن يقترب من ثلاث دقائق.. وبالطبع، فإن هذا تصرف غير مسبوق من الرجل، أثار دهشة كل من يعرفه، وفي مقدمتهم أم كلثوم نفسها.
لم تكن شهرزاد تنكر الأثر الضخم لأم كلثوم عليها، كانت تكرّر في كل لقاءاتها الصحافية والإعلامية أنها أحبت الغناء لأجل أم كلثوم، ودخلت إلى عالم الفن من فرط حبها لسيدة الغناء. وقد تعاملت معها أم كلثوم بلطف شديد منذ أن تعرفت إليها، وسمحت بحضورها إحدى بروفات أغانيها بصحبة عازف التشيلو محمود رمزي. اقترحت أم كلثوم عليهما الزواج، فقبل رمزي قائلاً: "أوافق يا ست، بشرط أن تغني في فرحنا".
قبلت أم كلثوم الدعوة، وبالفعل، حضرت حفل الزفاف الذي أقيم في منطقة شبرا، فوق سطح منزل أهل العريس، وغنت السيدة ليلتها "افرح يا قلبي" و"أنا في انتظارك". لم تنس شهرزاد لأم كلثوم هذه المواقف، لكن الأثر الفني للسيدة انعكس بوضوح على أسلوبها الغنائي، ثم انتقل إلى لغة جسدها وطريقة انفعالها باللحن الذي تؤديه، وفي بعض الحفلات ظهرت شهرزاد وهي تمسك بيمناها منديلاً بطريقة كوكب الغناء نفسها، وكانت تشير بيدها إلى عازف القانون إذا أرادت تكرار الجملة بالضبط كما كانت تفعل أم كلثوم مع رئيس فرقتها محمد عبده صالح. بدت شهرزاد في كثير من الأحيان وقد ذابت شخصيتها في الصورة التي عرفتها الجماهير لسيدة الغناء العربي. وربما كان هذا الذوبان على حساب تجويد أدائها بما يتناسب مع صوتها بالغ الدفء والعذوبة.
عاشت شهرزاد طوال حياتها تحمل امتناناً كبيراً لرياض السنباطي، بسبب مساندته ورعايته ودعمها بأهم الألحان في مسيرتها الفنية، ومنها لحن التحاقها بالإذاعة، ثم لحن "يا ناسيني"، الذي لفت إليها أنظار عبد الوهاب، فبادر بالاتصال بزوجها محمود رمزي ودعاه هو إلى زيارته بصحبة شريكة حياته.
هنّأها عبد الوهاب بنجاح "يا ناسيني"، وطلب منها اختيار كلمات مناسبة ليلحنها لها. وبالفعل، اختارت شهرزاد كلمات "في ظل الورد" للشاعر محمد علي أحمد، فكانت أول ألحان موسيقار الأجيال لها. لا ريب أن دخول عبد الوهاب ضمن قائمة ملحني شهرزاد أكسبها مكانة كبيرة، ورفع اسمها في الوسط الغنائي، لكنها ظلت تذكر أن لحن "يا ناسيني" كان الإشارة التي لفتت نظر عبد الوهاب إليها.
من الغريب أن السينما عرفت صوت شهرزاد قبل أن تعرفه الإذاعة بأكثر من عشر سنوات، فقد شاركت بالغناء في فيلم "مصنع الزوجات" (1941)، ثم توالت مشاركاتها السينمائية وصولاً إلى عام 1964 بالغناء في فيلم "أمير الدهاء". تعاملت شهرزاد مع قائمة كبيرة من أعلام الملحنين، في مقدمتهم رياض السنباطي، وزكريا أحمد، ومحمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب، ومحمود الشريف، وفريد الأطرش، ومنير مراد، ومحمد فوزي، وأحمد صدقي، وعبد العظيم محمد، وحسين جنيد، ومحمود كامل، وسيد مكاوي، ومحمد الموجي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وعبد الفتاح منسي، وعلي إسماعيل، ومحمد محسن، وعطية شرارة، ورؤوف ذهني، وفؤاد حلمي، وحلمي بكر، ومحمد سلطان. وقدم لها زوجها محمود رمزي بعض الألحان، وكذلك شقيقها شفيق السيد، وغير هؤلاء كثيرون أقل شهرة. ربما لم تحظ مطربة بهذا المستوى من تعدد الملحنين.
غنت شهرزاد سنوات طويلة، لكن حقبتها الذهبية كانت في عقدي الخمسينيات والستينيات، ثم أخذت تقلل تدريجياً من ظهورها الفني، ومع التغيرات الكبيرة التي طرأت على المشهد الغنائي المصري وأيضاً مع تقدم السن، قررت شهرزاد أن يكون انسحابها كاملاً، ولم تكن تظهر إلا في بعض اللقاءات الإعلامية النادرة، إلى أن رحلت يوم السادس من إبريل/نيسان عام 2013، مخلفة عدداً كبيراً من الآثار الغنائية التي تجاوزت 300 عمل، كان معظمها من نظم كبار الشعراء الغنائيين، وتلحين أهم الموسيقيين في التاريخ الغنائي المعاصر.