المسلسلات العربية: مشاهد جريئة لجمهور متحفّظ

المسلسلات العربية: مشاهد جريئة لجمهور متحفّظ

09 ابريل 2021
الصورة
هل نجزم بأهمية اللقطة الجريئة وتأثيرها على نجاح العمل أو فشله؟ (LBCI)
+ الخط -

من الصعب تفسير الحالة المزاجية للجمهور حين يتعلق الأمر بعمل درامي تكتنف بعض مشاهده لقطات جريئة خارجة عن المألوف العربي. حتى أن مفهوم الجرأة، يختلجه بعض الالتباس أمام معطيات وعوامل تجعل منه، من الناحية الاصطلاحية، مفهومًا ناقصًا لا مدلول فنياً واضحاً يفسره، إلا عبر المشاع الدرامي في شاشاتنا العربية.
فالخلاف على التسمية، وإن كان غير مشروط بتوابع تعريفية، يبقى في إطار الخيال وملكات التفكير عند المشاهد. فالأخير وحده يميز بين ما هو جريء وطبيعي بحكم التجربة والثقافة والبيئة. وحين ندخل في سجالات متباينة الآراء بين مؤيد ومنتقد لمادة الدراما الجريئة، سنلغي قطعًا أي مسار لمناقشة الفعل الدرامي أخلاقيًا، على حساب الغاية الفنية المراد توظيفها أو الرسالة المراد إظهارها للعلن. ويبقى للقيمة الفنية مساحة ضيقة نسأل من خلالها عن جدوى هذه المشاهد من عدمها.
تتجه الأسواق العربية في السنتين الأخيرتين إلى ضخ أعمال ذات نوعية مختلفة، تستبيح بشكل واضح عرض مشاهد جريئة استحقت معها كل الجدل الذي دار حولها والانتقادات التي طاولتها. مثل مسلسل "عروس بيروت" و"دفعة بيروت" و"شارع شيكاغو" و"قيد مجهول". وقد لا نختلف حين نلمس حجم الاستثمار الترويجي الذي عاد على منتجيها بنجاحات مقبولة على الساحة العربية، إذا ما سحبنا عن تلك الأعمال الجدل الدائر حولها، واكتفينا بفهم الآثار الناتجة عن اللقطات الحميمية والمثيرة فنيًا ومجتمعيًا.

الدراما العربية عامةً لها غايات كانت محددة، وإمكانات لُجِمتْ بعد صعود أنظمة سياسية غيرت وجه الخارطة الفنية بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي

فإذا أردنا تعويم هذه النوعية من الأعمال، فهل نجزم بأهمية اللقطة الجريئة وتأثيرها على نجاح العمل أو فشله؟ أليس الواقع وثقافة الشارع مقومات أساسية في بنية أي عمل درامي؟
سنكتفي بالقول، إن الدراما العربية عامةً لها غايات كانت محددة، وإمكانات لُجِمتْ بعد صعود أنظمة سياسية غيرت وجه الخارطة الفنية بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأثرت بالتالي على مناخ الدراما والسينما السائدتين في تلك الفترة، وتحديدًا السورية والمصرية. لتعود بهيكلية أخرى، تواكب متطلبات العصر وتغيراته منذ أن عرف العالم العربي وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث التدفقي.
هكذا، بات المحتوى الغربي في كل منزل وفي ومتناول الجميع، من دون أن نغفل عن الوسيط الأجنبي من أعمال تستوردها شاشاتنا، ومقارنتها بالطابع الفني الخاص بها والإمكانات الهائلة التي تتسم بها، لتحاول اللحاق بها ومجاراتها ولو بالقدر اليسير.
والقول بأن المنتج العربي حقق نقلة نوعية حين تأثر بسينما ودراما الغرب، هو أمر له خصوصية تحليلية مؤجلة، تراعي الزمن والإمكانية والظرف، أكثر مما تراعي التحولات التي نشهدها في السنين الأخيرة. فالصورة، قد تبدو آخذة للنضوج، والفكرة تسبح في فلك التقليد والسطحية، رغم أننا نقرأها على أنها محاولات تحتاجها الدراما العربية في مسار التغيير، لذا لا توازن حاليًا يسمح باستشفاف النتيجة وحتميتها.
يبقى النقاش حول جرأة الأعمال الغربية الناجحة أمرًا غير قابل للمساومة الفنية، حين يتشرّبها الجمهور العربي بكل رحابة صدر، أمام رفض قسم كبير منه للأعمال العربية التي عادت لتتجرأ على إضافة لقطات حميمية خاطفة، لا تتعدى بمجملها، قبلة أو شبه عري وغيره من مشاهد جريئة هي بعيدة كل البعد عن الأنماط الغربية، الفاضحة والمحكومة بغايات مهنية ترفع فيها، مثل هذه المشاهد، من سقف العمل وجودته عاطفيًا وفكريًا وفنيًا، على عكس ما ينظر إليها ذهن المشاهد العربي، الذي يعتبرها كتابوهات غير محبب له مشاهدتها لأسباب أخلاقية ومجتمعية، قد تبدو واهية إذا ما نوقشت فنيًا.
فالحديث عن واقع مجتمعي فيه مشكلات كالاغتصاب والتحرش والانحلال الأخلاقي بمختلف أشكاله، لا يفهمه المشاهد العربي أو يلمسه بشكل واضح لولا الدراما والسينما. فعملية توظيف الصورة لنقل هذا الواقع هو أمر حتمي، لشحن المشاهد عاطفيًا وإقناعه، من دون أن ننسب إلى الدراما كامل المسؤولية في عملية توليد الواقع في عين المشاهد العربي وعقله.

لحديث عن واقع مجتمعي فيه مشكلات كالاغتصاب والتحرش والانحلال الأخلاقي بمختلف أشكاله، لا يفهمه المشاهد العربي أو يلمسه بشكل واضح لولا الدراما والسينما

بهذا، أصبح المشاهد نفسه خبيرًا بهذه النوعية من الأعمال، لكنه يخشى الاعتراف بها لضوابط أخلاقية، ستدفعه للجوء إلى المنصات الرقمية بدلًا من الشاشة الفضية. وبالتالي، تتأثر الدراما طردًا، فتراوح في مكانها، تخشى على نفسها من حكم الجمهور، وتحميلها مسؤولية عدم نضوجها بتهمة إفساد الذوق العام.
إن تصورًا ناضجًا، لرفع مستوى الأعمال العربية لا بد وأن يكون مهنيًا قبل أن يكون أخلاقيًا. ومراعاة الذوق العام، من دون المس بالمحرمات، مسألة لها حساسية خاصة، في عالمنا العربي، وفيها من التعقيد ما يضعها على رأس منحدر، فإما السقوط، وإما المراوحة في مكانها إذا لم تجد لها مخرجًا يرضي جميع الأذواق.

المساهمون