"المدينة الأم": فيلم نضالي عن اللاعدالة العقارية

03 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 08:42 (توقيت القدس)
"المدينة الأم": صراع طبقي عبر العقارات (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "المدينة الأم" يعكس الفوارق الطبقية في جنوب أفريقيا، حيث يتم ترحيل الفقراء من الأحياء الشاطئية إلى المناطق القروية، مما يبرز اللاعدالة العقارية.
- يسلط الفيلم الضوء على الصراع بين السكان الفقراء والمقاولين العقاريين المدعومين من الجيش، ويكشف عن استغلال الأراضي العامة لصالح الأثرياء.
- يُبرز الفيلم دور السينما كأداة للتغيير الاجتماعي، مشجعًا على الاحتجاجات ضد اللاعدالة العقارية، ويُظهر كيف يمكن للفن أن يكون صوتًا للشعب لتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

يُرحَّل أطفال ونساء من أحياء عشوائية قديمة شاطئية، وسط المدينة، إلى مناطق هامشية قروية في جنوب أفريقيا. بعد أنْ ذاق الفقراء نعمة الانتقال من حياة البادية إلى المدن، يُرجَّعون إلى فضاءات تُذكّرهم بالعالم الآخر. هذا في "المدينة الأم" (Mother City، إنتاج 2024) لبيارلي جوبير وميكي ريديلينغييس، المعروض بمسابقة الأفلام الوثائقية، في الدورة الـ 18 (22 ـ 27 سبتمبر/أيلول 2025) للمهرجان الدولي للمرأة بسلا (المغرب).

كيف تكشف السينما الفوارق الطبقية في لقطة واحدة؟

كانت مساحة أرض ملعب الغولف، حيث يلعب عشرات الأشخاص، أضعاف مساحة الحيّ الذي يسكن آلاف الأشخاص فيه. الحياة في الزحام جحيم. يفسد البؤس جماليات المدن. الحل؟ تقضي الأيديولوجيا العقارية البورجوازية بإبعاد الفقراء من المواقع الجميلة، لأنها فوق ذوقهم وميزانياتهم. هذه وقائع لم يبتكرها الذكاء الاصطناعي.

الأرض موضوع للنزاع. المدينة الأم لمن يملك. الصراع حول الأرض أشدّ من الصراع حول الذكاء الاصطناعي. لتغيير هذه اللاعدالة، يخرج بضع رجال ومئات من النساء، الشعب، ضد المقاول. الجيش في صف المقاول.

عرض الفيلم سياسة تدبير التراب والتحوّلات العقارية. فوجئ السكان بقرارات تدبير الأراضي في مواقع استراتيجية، بمدينة شاطئية في جنوب أفريقيا. تمّ تفويت العقار للمقاول.

ما معايير الاستفادة من المجال؟ أباطرة العقار، والمقاولون الذين يعِدون في وصلات الإعلان ببناء فردوس أرضي، أي شقق فخمة. ومصير الفقراء؟ سيُجْلَون إلى الهوامش القروية. كيف يحصل هذا؟ تُدَبَّر المجالات الترابية، فتباع وتقسم وتبنى. يملك المقاول وسائل التأثير على القرار الترابي لتوجيهه لصالحه. يملك شبكة متينة من علاقات الزبونية. لا يكتشف ذلك إلا من تحقّق له القرب الجغرافي.

هذا فيلم نضالي يتكلم عن العالم ومعه، عن اللاعدالة العقارية. حركة يقودها ويصوّرها شاب في عشرينياته. هذا ليس حكراً على جنوب أفريقيا. في المغرب، يُغيَّر مسار طريق سيّار، لمرورها بمحاذاة أرض وزير. وحده غوغل كشف، عام 2014، تغيير هذا المسار، لتصير محاذية لأرضٍ، مساحتها 62 هكتاراً، يملكها هذا الوزير في ضواحي الدار البيضاء. مرّت الطريق في أراضي فلاّحين فقراء.

 

 

تمّ ذلك باسم وثيقة أعدّها والي الدار البيضاء حينها، اسمها "الأولويات لإنقاذ الدار البيضاء". من ماذا؟ عملياً، جُعِل الوزير أغنى من قارون. هذه نتيجة قوانين مُصمَّمة لصالح الأقلية. تجري هذه المقالب في كل بلدان العالم.

يُحدث "المدينة الأم" تأثيراً، حين يجد المُشاهد صِلة بين ما يراه وما يعيشه في بلده. هكذا تُحقّق المحاكاة فِعلها. يستهلك السكن قدراً كبيراً من ميزانيات الأسر. للعقار والخبز بُعدٌ سياسي رهيب.

دخل الجيش المسلح لإجلاء المعتصمين. ظهرت الكمامات. سقف طلب المناضلين المحتجّين الحصول على الطعام. تسبّب حجر كورونا في وقف الحِراك. ارتاحت السلطة والمقاول. لعب الزمن ضد الحركة الاحتجاجية. نُقلت المعركة إلى قاعات المحاكم. صار النضال قانونياً.

صُوّر الفيلم من دون مقاربة أسلوبية. يبدو عمل الكاميرا أشبه بدورها في ريبورتاج. لكنّ طول مدة الأحداث، وتصويرها في تسع سنوات، سمح بانتقاء أكثر من 100 دقيقة كثيفة واستخراجها. مرّ الزمن فعلياً، وحدث تغيير. في الوثائقي، التقاط اللحظة الحاسمة، وتوثيق الوضع البشري البائس، أهم من جمالية الصورة.

الاكتظاظ شديدٌ في أحياء الفقراء. هذا البؤس ليس تمثيلاً بل واقع معاش. تعليقاً عليه في المناقشات، طرح السينمائي المغربي بوشتى فارقزايد سؤالاً أخلاقياً: هل يحقّ للمخرج في الفيلم الوثائقي توظيف معاناة إنسان، للتشهير به، والحصول على الشهرة؟ هل الأرض للشعب أم للمقاول؟

انطلقت مسيرة شعبية في مواجهة خصْخصة الفضاءات العامة قرب البحر، وسط المدن، وترحيل السكان. يردّد الشباب شعار: "أمي طباخة، وأبي بستاني. لذلك أنا اشتراكي". أي عدو العقار الخاص. يطالب المحتجون بتدبير الممتلكات العقارية العمومية، بدل خصخصتها. هذه جنوب أفريقيا في زمن ما بعد نيلسون مانديلا، وما بعد مونديال 2010. أسَر سوداء في أحياء هامشية فقيرة. لا يوجد بيض هنا. سقط نظام الأبارتهايد، لكنّ قوانين تدبيره المجال العقاري لا تزال سارية لخصخصة الأرض العمومية، وحماية ملاعب الغولف، واقتلاع سكان الشواطئ الفقراء، ورميهم في أحياء هامشية قروية. هذه لاعدالة مجالية موروثة عن النظام البائد.

بعد هزم العنصرية العِرقية، جاء دور العنصرية المجالية ضد المستثمرين العقاريين. المقاول السمسار يُمكن أنْ يهزم. كيف؟ الكاميرا تعطي الكلمة والصورة للشعب. إذا افترضنا أنّ حضور الكاميرا شجّع الناس على الاستمرار في الاحتجاج وكبح الشرطة، فذلك يعني أنّ الفن السينمائي ارتقى من كونه مرآة الواقع إلى فاعلٍ في التغيير وتحقيق النهاية السعيدة.

لماذا نحب النهايات السعيدة جواب ميشال فوكو: "لأن اليوتوبيات تعزّينا" (الكلمات والأشياء، ص. 22)، حتى لو كانت لا تملك مكاناً حقيقياً.

المساهمون