المتحف المصري الكبير يفتح أبوابه للعالم

01 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 23:25 (توقيت القدس)
مفرقعات نارية احتفالاً بافتتاح المتحف، 1 أكتوبر 2025 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دشّنت مصر المتحف المصري الكبير عند أهرامات الجيزة، واصفةً إياه بـ"هدية مصر إلى الإنسانية"، بحضور الرئيس السيسي و79 وفداً رسمياً، ويضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية.
- استعدت وزارة الطيران لاستقبال الوفود عبر مطاري القاهرة وسفنكس، وأشرفت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية على التنظيم والبث، مع مشاركة القطاع الخاص في الرعاية.
- يُعد المتحف تحفة معمارية، متوقعاً استقبال 15-20 ألف زائر يومياً، مما يعزز مكانة مصر الثقافية والسياحية، مع إصدار عملات وطوابع تذكارية.

في احتفال عالمي حضره ملوك ورؤساء وقادة من مختلف القارات، دشّنت مصر، مساء اليوم السبت، المتحف المصري الكبير عند سفح أهرامات الجيزة، في حدث وصفته الحكومة بأنه "هدية مصر إلى الإنسانية"، إيذاناً بمرحلة جديدة في تاريخها الثقافي والسياحي. حضر الافتتاح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب 79 وفداً رسمياً من ملوك ورؤساء وأمراء وقادة من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، إضافة إلى شخصيات ثقافية وعلمية وفنية بارزة من مختلف أنحاء العالم.

يُعدّ المتحف المصري الكبير المشروع الثقافي الأضخم في تاريخ مصر الحديث، إذ يمتد على مساحة نصف مليون متر مربع عند سفح الأهرامات، ليقدّم بانوراما متكاملة للحضارة المصرية القديمة عبر أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، منها ما يزيد عن 50 ألفاً معروضة للزوار في قاعات حديثة التصميم تراعي أحدث المعايير العالمية في العرض والإضاءة والحفظ.

استعدادات استثنائية

تزامناً مع الافتتاح، أعلنت وزارة الطيران المدني عن استنفار واسع في مطاري القاهرة وسفنكس اللذين استقبلا نحو خمسين رحلة خاصة تقل الوفود المشاركة. وأوضح وزير الطيران المدني سامح الحفني، خلال جولة ميدانية في مطار سفنكس، أنّ المطار استقبل 16 رحلة دولية خلال يومين فقط، حاملة وفوداً من 11 دولة بإجمالي 6811 راكباً، مؤكداً أن انتظام التشغيل بلغ 99%، وأن اليوم "يمثل لحظة فخر واعتزاز للدولة المصرية التي أظهرت قدرتها التنظيمية أمام العالم".

تولّت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة للمخابرات العامة، الإشراف العام على التنظيم والبث المباشر لحفل الافتتاح، فيما قاد المنتج محمد السعدي الإشراف التنفيذي للحفل من خلال شركته ميديا هب التابعة أيضاً لشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. وشارك في الإخراج مازن المتجول وأحمد المرسي، وفي التصميم الفني محمد عطية، بينما تولّى المايسترو ناير ناجي قيادة العرض الموسيقي الضخم الذي رافق فقرات الحفل.

وبرزت أسماء لافتة من القطاع الخاص ضمن قائمة الرعاة، من بينها مجموعة طلعت مصطفى، وحديد عز، ومجموعة المنصور، وشركة حسن علام القابضة، والبنك الأهلي المصري، فضلاً عن منصة تيك توك التي تولّت النقل الرقمي العالمي للحدث. أثار ظهور عدد من هؤلاء الرعاة، المعروفين بعلاقاتهم القديمة بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، اهتمام المراقبين، لا سيما أن  أسماء بعضهم ارتبطت بأحكام أو اتهامات في قضايا كبرى، أبرزها هشام طلعت مصطفى المدان بحكم نهائي في قضية قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم قبل أن يُفرج عنه بعفو رئاسي، وأحمد عز الذي واجه قضايا كسب غير مشروع أُغلقت لاحقاً بتسوية مالية. حرصت هذه الوجوه على الظهور في الصفوف الأولى والدخول من البوابة الرئيسية التي عبر منها رؤساء الدول والملوك، في مشهدٍ فسّره كثيرون بأنه رسالة رمزية عن "تحالف المال والنفوذ والثقافة" في مصر الجديدة، فيما وصفته صحف أجنبية بأنه "استعراض شامل للقوة الناعمة المصرية بأذرعها القديمة والجديدة".

وبينما كانت الكاميرات توثّق مشهد تدفّق الضيوف عبر الممرات الواسعة للمتحف، كانت خلف الكواليس فرق إنتاج ضخمة تُدير العرض بدقة عسكرية، فعزفت موسيقى أوركسترالية حية تستلهم روح الحضارة الفرعونية، وأبرزت الإضاءة المعمارية جمال الواجهة الزجاجية العملاقة، وعُرضت صور بانورامية لأهرامات الجيزة خلف تمثال رمسيس الثاني الذي وقف في بهو الاستقبال كحارس للمكان والتاريخ.

وشهد الحفل حضور الجراح المصري العالمي السير مجدي يعقوب الذي كان من أوائل الواصلين إلى موقع المتحف. والتقاه رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني لبحث تفاصيل مشروع المسلسل الدرامي الذي يوثّق مسيرته الإنسانية والعلمية، في خطوة تهدف إلى تخليد رموز مصر في الوعي الثقافي العام.

المتحف المصري الكبير "هدية مصر إلى الإنسانية"

وألقى الرئيس عبد الفتاح السيسي كلمة في الافتتاح أكد فيها أن المتحف "يجسد رؤية مصر في الجمع بين عبقرية الإنسان القديم وإبداع الإنسان المعاصر"، في إشارة إلى أن المشروع لا يقتصر على السياحة والثقافة، بل يمثل رسالة سياسية للعالم بأن "مصر الجديدة" تمتلك القدرة على إنجاز مشاريع حضارية بحجم طموحها الإقليمي والدولي.

وفي كلمته خلال المؤتمر الصحافي المقام في بهو المتحف، قال رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إنّ مصر "تعيش اليوم حدثاً فريداً يمثل رسالة سلام من أرض الفراعنة إلى العالم بأسره"، مضيفاً أنّ "المتحف المصري الكبير صرح عالمي تقدمه مصر هدية للإنسانية جمعاء من دولة تمتد جذورها إلى أكثر من سبعة آلاف عام". وأوضح مدبولي أن فكرة المشروع بدأت قبل نحو ثلاثين عاماً، وأن الأعمال تسارعت في السنوات الأخيرة بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي حتى اكتمل البناء "بأيدٍ مصرية خالصة"، مؤكداً أن هذا الإنجاز "تتويج لتكامل مؤسسات الدولة وتعاونها مع القطاع الخاص"، الذي وصف مشاركته بأنها "نموذج يُحتذى في تنظيم الفعاليات الوطنية الكبرى". واختتم مدبولي تصريحه بالقول: "نحتفل اليوم بميلاد صرح يجسد هوية أمة صنعت التاريخ، ويعيد للعالم ذاكرة حضارة ألهمت الإنسانية لآلاف السنين".

تحفة معمارية على خط الأهرامات

صممت المتحف المصري الكبير شركة هينغان بنغ الأيرلندية ليبدو امتداداً بصرياً للأهرامات الثلاثة، حتى وُصف بأنه "الهرم الرابع". ويستقبل الزوار عبر بهو ضخم يتوسّطه تمثال الملك رمسيس الثاني الذي يبلغ ارتفاعه 11 متراً ووزنه 83 طناً، ونُقل في موكب مهيب إلى موقعه الدائم داخل المتحف. ويضم المتحف قاعة كاملة مخصّصة لكنوز الملك توت عنخ آمون، تُعرض فيها للمرة الأولى المجموعة الكاملة التي اكتُشفت عام 1922 وتضم أكثر من 4500 قطعة جنائزية، بينها القناع الذهبي الشهير والتوابيت الثلاثة المتداخلة.

كما يحتوي جناحاً خاصاً للمركبين الشمسيين للملك خوفو، أحدهما يُعدّ أكبر قطعة أثرية خشبية في العالم بطول 43.5 متراً وعمر يتجاوز 4600 عام، ويمكن للزوار مشاهدة عمليات ترميم المركب الثاني عبر واجهات زجاجية شفافة.

ويمتد المشروع على مساحة شاسعة تضم قاعات عرض ومتاحف فرعية تفاعلية، ومتحفاً مخصصاً للأطفال، ومختبرات ترميم حديثة، ومكتبة ومركز مؤتمرات ومناطق خدمية وثقافية ومطاعم وأروقة تسوق. وتجاوزت تكلفة إنشائه مليار دولار، فيما استغرق بناؤه أكثر من عشرين عاماً، تخللتها فترات توقف بسبب الأوضاع السياسية وجائحة كوفيد-19.

رهان ثقافي وسياسي على المستقبل

يرى خبراء أنّ افتتاح المتحف يمثل نقطة تحول في مكانة مصر الثقافية والسياحية عالمياً. وقال عالم الآثار الدكتور حسين بصير، لوكالة فرانس برس، إن "نجاح المتحف لا يقاس فقط بجماله المعماري أو ضخامة مقتنياته، بل بقدرته على الحفاظ على الزخم الحالي وتطوير خدماته لجذب الزوار باستمرار"، مشدداً على أهمية "إدارة هذا الصرح بما يليق بحضارة تمتد آلاف السنين".

من جهته، أكد رئيس اتحاد السياحة المصري السابق إلهامي الزيات أن المتحف "يشكل جزءاً من خطة شاملة لتحويل هضبة الجيزة إلى منطقة ثقافية وسياحية متكاملة"، تضم مطار سفنكس الجديد وشبكة طرق حديثة ومواصلات كهربائية ومرافق رقمية متطورة. أما وزير السياحة المصري شريف فتحي، فأوضح أنّ التقديرات تشير إلى استقبال المتحف ما بين 15 ألفاً و20 ألف زائر يومياً، في وقت ارتفعت فيه أعداد السياح الوافدين إلى مصر بنسبة 21% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، ما يعزز الآمال بانتعاش قطاع السياحة المصري مجدداً.

وأصدرت مصلحة سكّ العملة عملات تذكارية من الذهب والفضة توثق معالم المتحف، كما أطلق البريد المصري مجموعة طوابع تفاعلية مزودة بتقنية QR Code تخليداً للحدث. وأُعلن يوم الافتتاح إجازة رسمية في البلاد، وسيبدأ المتحف المصري الكبير استقبال الجمهور يوم الثلاثاء المقبل، في ذكرى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.

بهذا الافتتاح، لا تضع مصر حجر الأساس لوجهة ثقافية وسياحية جديدة فحسب، بل تفتح فصلاً جديداً في حوارها مع العالم، مؤكدة أن الحضارة التي أشرقت منها أولى أنوار المعرفة لا تزال قادرة على إبهار العصور وإحياء الذاكرة الإنسانية من جديد.

المساهمون