كانت الصدمة التي خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة قويةً إلى حدّ وجدت فيه بعض المؤسسات الثقافية الفلسطينية نفسها عاجزةً عن تقديم ما يوازي الحدث، فأغلقت أبوابها أمام الجمهور. وهو ما حصل في حالة المتحف الفلسطيني في بلدة بيرزيت، شمال مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، بحسب ما قالته مسؤولة الإعلام في المتحف سُرى أبو الرب، خلال مشاركتها في حلقة نقاش عُقدت الأربعاء، بعنوان "كيف أعادت الأحداث الراهنة صياغة علاقتنا بالموسيقى والفنون؟"، من تنظيم مؤسسة عبد المحسن القطان، بمشاركة مدير معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى اعتراف الريماوي، ومنسقة مشروع الثقافة جسر صمود ومعنى تالا حلاوة.
وأشارت سرى أبو الرب إلى أن النقاش في بداية الحرب كان يصل إلى نتيجة مفادها أنه "مهما فعلنا، فإنه لن يوازي هول ما يحدث من إبادة"، وهذا ما دفعهم إلى إغلاق المتحف لأكثر من أربعة أشهر متواصلة، حتى إقامة "هذا ليس معرضاً"، بهدف رفع الصوت أمام المحو الممنهج والتدمير للمؤسسات الثقافية والفنية. وأوضحت أبو الرب أن قرار إغلاق المتحف الفلسطيني لم يكن تعبيراً عن غياب الرغبة في الفعل الثقافي، بقدر ما كان انعكاساً لحالة الصدمة وقلة الحيلة أمام مشاهد الإبادة وصورها، والسؤال عن "قدرة مؤسساتنا الثقافية على إنتاج فعل ثقافي يوازي فعل الإبادة".
في المقابل، استمر معهد إدوارد سعيد للموسيقى في عمله من خلال احتضان الفنانين وطلاب المعهد في غزة، واستمرار عمل باقي أفرع المعهد من خلال مواصلة التدريبات والبروفات وإقامة المهرجانات والعروض العامة التي سعت لإيصال الصوت الفلسطيني في ظل الإبادة.
بين التوقف والاستمرار، برز تساؤل آخر حول وظيفة المؤسسة الثقافية: هل تكتفي بالتوثيق ومحاولة الحفاظ على ما تبقى، أم تخلق مساحات للفعل الجماعي أمام مشاهد الموت والقتل؟ وقال الريماوي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن المؤسسات الثقافية الفلسطينية لم تواكب حرب غزّة، لأن الإبادة وقواها ومفاعيلها وأدواتها كانت أكبر بكثير من قدرة مؤسسات القطاع الثقافي على مواجهتها. وأشار إلى أنّ المؤسسات الفلسطينية وجّهت عملها لمواجهة العنف الاستعماري الواقع على المجتمع الفلسطيني، من خلال ما يجسده الفعل الفني والثقافي الأدائي من نقلٍ لهذا الصوت وتمثيل له.
لم تقتصر الصدمة التي خلفتها الحرب على المؤسسات الفنية والثقافية، إذ امتدت لتطاول المجتمع الفلسطيني نفسه الذي بدأ ينظر إلى الثقافة من زاوية مختلفة: هل ما زال للأغنية والفن والعروض المسرحية مكان في زمن الإبادة؟ من ناحيته، رأى الريماوي أن ذلك اختبار آخر، نجح المعهد نسبياً في تجاوزه من خلال "البقاء بجانب الأطفال والنساء في الخيام لنقول إن الغناء هو من سيرورة المجتمع الفلسطيني. هذا في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية بما فيها القدس، أقمنا عروضاً مثل الأوركسترا العربية، ومهرجان الياسمين، وذهب كامل ريعها إلى أطفال غزة".
واعتبر الريماوي أن بعض المؤسسات الثقافية الفلسطينية ومنها التي يديرها، تعاملت بنوع من المسؤولية الاجتماعية إلى جانب عملها الثقافي، في إشارة منه إلى توجيه ريع النشاطات إلى غزة، قائلاً إن معهد إدوارد سعيد عمل على تطويع وتوظيف كل الموارد لتخدم من هم تحت وطأة الإبادة، سواء بالمساعدة المباشرة أو بإعلاء صوتهم وتمثيلهم. وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن الحرب دمرت جزءاً من البنية الثقافية المؤسساتية للمجتمع الفلسطيني، إلى جانب معيقات التنقل، لكون الجغرافيا الفلسطينية كلها تخضع للاستعمار.
من جانبها، رأت تالا حلاوة أن الاحتلال رغم كونه معيقاً إلّا أن التحولات التي طرأت على الشعب الفلسطيني بفعله تفتح باب نقاش حول تفاعل المجتمع الفلسطيني مع الثقافة والفن بأشكالهما المختلفة اليوم، مشيرةً إلى أنه رغم وقوع انتفاضتين في السابق والكثير من الأحداث الدامية، ظل الفن والأغنية الفلسطينية موجودين بالتوازي مع خط النضال الفلسطيني، على العكس من اليوم حيث صار الفلسطيني يسأل عن جدوى هذا الفن في ظل الإبادة.
ولفتت حلاوة إلى أن هذه النقاشات واللقاءات بدأت مع بدء الإبادة، لأن كل المؤسسات دخلت في حالة صدمة ولم تكن قادرة على مواصلة مسيرتها أو إيجاد جواب لتساؤل رئيسي حول دورها في المجتمع، خاصةً أن المجتمع نفسه كان ينظر بشيء من الاستهجان إلى أي عمل ثقافي. وأضافت: "بدأنا نبحث عن إجابات حول التغيرات، ولماذا سابقاً، خلال انتفاضتين وأوقات أزمات أخرى عاشها الشعب الفلسطيني، كانت هناك مساحة للأغنية والعمل الثقافي، وكان المجتمع يلتقي لإنتاج أعمال فنية، فيما ينظر الآن إلى أي عمل فني أو ثقافي على أنه مش وقته.
واتفقت حلاوة مع الريماوي على أن خصوصية السياق الفلسطيني، في ظل الاحتلال الذي يعيق المشاريع الثقافية ومساحات النقاش، تفرض على المؤسسات الثقافية الفلسطينية مسؤولية إبقاء الفن في حيّز اهتمام المجتمع المنشغل بكل التفاصيل التي خلقها الاحتلال في حياته وواقعه.