القاضي المزيف في مصر... كيف تتحول السلطة الوهمية إلى نفوذ حقيقي؟

09 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:36 (توقيت القدس)
الشاب الذي انتحل صفة القاضي في مصر (فيسبوك)

لم تبدأ قصة القاضي المزيف في مصر من قاعة المحكمة، بل من صورة القاضي التي استطاع صاحبها إقناع الآخرين بها. وبعد 18 عاماً على مسلسل "ضيعة ضايعة"، بدا أن سخرية الكاتب السوري ممدوح حمادة من سليم (سلنغو)، الشاب الذي أقنع أهل قرية أم الطنافس بأنه محامٍ يعرف مفاتيح القانون وثغراته، لم تكن بعيدة تماماً عن الواقع. فالقصة المصرية أعادت إلى الواجهة شخصية تشبه، في جوهرها، ذلك المحتال الذي يستمد سلطته من المظهر والانطباع قبل أن ينكشف زيفه.

في "ضيعة ضايعة"، أقنع سليم أهل الضيعة بأنه محامٍ، فاستنجدت به نساؤها ولجأ إليه مساكين لا يدرون ما ينتظرهم مع "الهمّلالي" في مخفر الضيعة، قبل اكتشاف مختار الضيعة أنه ليس محامياً ولا حتى "فرخ محامي"، فينهال عليه أهل الضيعة بالشتائم والشماتة. ضحكنا حينها لأن القصة بدت مبالغة كوميدية، خصوصاً في مجتمعات تمنح الجهاز القضائي والعدلي قدراً كبيراً من الهيبة، وتربط ممارسة القانون بالدراسة الأكاديمية والإلمام بتفاصيله ومداخله وتفرعاته والفروقات بين محاكمه.

لكن قضية القاضي المزيف في مصر أثبتت أن الفكرة لم تكن مبالغة درامية بقدر ما كانت قراءة مبكرة لآلية إنتاج السلطة والنفوذ والوصول إلى المال والحظوة والمكانة الاجتماعية. فإذا كانت قصة "سلنغو" تبدو في المسلسل حيلة كوميدية، فإن القضية المصرية تكشف الجانب الأكثر جدية منها: كيف يمكن للصورة أن تسبق الحقيقة، وأن تمنح صاحبها سلطة لا يمتلك أساسها القانوني؟

سلطة الصورة في قضية القاضي المزيف

تنكشف قضية القاضي المزيف في مصر بوصفها مادة خصبة لقراءة أعمق من حدود الواقعة الجنائية نفسها، تناقش طبيعة السلطة، وآليات إنتاج الثقة، وقدرة الصورة على استبدال الوثيقة في زمن المنصات الرقمية؛ لتستدعي إعادة نظر في زاوية المعالجة التي اعتمدتها أغلب التغطيات الإعلامية، والتي ركزت على أسلوب التزييف فقط، بينما ظل السؤال الجوهري حول الطريقة التي حصل بها شخص يفتقر إلى أي صفة قانونية على احترام محيطه ورهبته، ومارس نفوذاً حقيقياً بأدوات وهمية بالكامل.

يكشف تفكيك المشهد الذي بناه الشاب عن عملية تركيب دقيقة، سبقت كل خطوة اقتصادية أو تسويقية لاحقة، وقامت أساساً على اختيار مكونات بصرية محسوبة بعناية، تعمل كل واحدة منها على تفعيل شيفرة اجتماعية جاهزة في ذهن المشاهد؛ تبدأ من حمل الوشاح القضائي والدبوس القضائي "البروش"، كإشارة تختصر عقوداً من الهيبة المؤسسية في قطعة قماش واحدة. واختار المتهم موقع التصوير داخل قاعة محكمة حقيقية، بمنصتها المرتفعة ورموزها الرسمية، ليضع نفسه داخل إطار مكاني يستحيل على المشاهد فصله عن مضمون السلطة التي يوحي بها. وأضاف إلى هذا التركيب البصري طبقة صوتية موازية، تمثلت في نبرة الحديث المتزنة، والمفردات القانونية المتداولة، وإيقاع الحركة البطيء، في مشهد يقنع المتلقي بحقيقة لا تحتاج إلى إثبات إضافي.

تعمل آلية الإقناع هنا وفق منطق الاستدلال بالمشابهة، وفيه يستبدل العقل البشري عملية التحقق الفعلي والسؤال عن أصل القاضي وفصله بعملية تعرف سريعة على النمط؛ أمام كثافة الإشارات والصور والفيديوهات المألوفة، يكتفي بمطابقة ما يراه مع الصورة الذهنية المخزنة مسبقاً عن هيئة القاضي وسلوكه ومكانه، ويمنح هذه المطابقة السريعة ثقة تعادل، في تأثيرها الفوري، ثقة التحقق الكامل من الوثائق والسجلات الرسمية.

تستمد هذه الآلية قوتها من غياب المسافة النقدية بين المشاهد والمشهد نفسه، إذ يصل المحتوى إلى الضحية عبر مقطع "تيك توك"، في سياق اجتماعي يفتقر عادة إلى أدوات التمحيص المؤسسي، فيتلقى الصورة بوصفها امتداداً طبيعياً للواقع، ويمنحها سلطة تسبق أي تساؤل حول مصدرها أو صحتها. وتتحول القاعة، بمنصتها ورموزها، إلى شاهد صامت يمنح المشهد مصداقيته، بصرف النظر عن هوية من يشغل تلك المنصة في اللحظة المصورة.

اقتصاد التزييف

يقوم اقتصاد التزييف على مبدأ اقتصادي صريح هو استبدال تكلفة اكتساب الشرعية الحقيقية، بسنوات طويلة من الدراسة الأكاديمية والتدرج القضائي، بتكلفة زهيدة تتمثل في إنتاج رموز هذه الشرعية بمعزل عن مضمونها الفعلي؛ إذ استثمر المتهم نحو ثلاثة ملايين جنيه في رشاوى ووشاح قضائي يحاكي الرداء الرسمي، وبطاقات تعريفية مزورة، وملفات قضايا حقيقية حصل عليها بمساعدة موظفي المحكمة، لينتج بهذه المكونات وصفة تحاكي السلطة القضائية بتكلفة زهيدة قياساً بالعائد المتوقع منها، وهو مبالغ مالية طائلة انتزعها من مواطنين بسطاء يبحثون عمن ينهي مصالحهم في أروقة العدالة.

تكشف هذه الآلية هشاشة منطق الاعتراف بالسلطة، إذ استغل المتهم الفجوة الفاصلة بين ثقة المواطنين المفرطة بالرموز الشكلية للسلطة، من وشاح ومكتب ولغة قانونية في فيديوهات "تيك توك" ليلية، وبين ضعف آليات التحقق، لتتحول هذه الفجوة إلى مصدر ربح مباشر ومتجدد. وتستدعي طبيعة الشبكة التي أحاطت بالمتهم قراءة موازية تتصل بالإنتاج الجماعي للتزييف، إذ شارك في العملية ثلاثة من موظفي المحكمة، وقدّم هؤلاء مساعدة تجاوزت مجرد تسهيل الدخول إلى القاعات، وامتدت إلى تزويده بملفات قضايا حقيقية أضفت على أدائه أمام الكاميرات مصداقية إضافية، فتحول التزييف بذلك من فعل فردي إلى عملية تعاونية موزعة الأدوار، تشبه سلسلة توريد مصغرة، يحصل فيها كل طرف على حصته من العائد مقابل مساهمته في الإنتاج المشترك للوهم.

نجح هذا الوهم لأنه مدعوم بسلوك جمعي لدى المواطنين الذين قرروا التعامل مع القاضي المزيف فيه مزيج من الإحباط والرغبة في التجاوز؛ بحيث يميل هؤلاء الأشخاص، الذين خاضوا تجربة طويلة ومرهقة مع الروتين الحكومي، إلى تعليق آمال مفرطة على أي شخصية توحي بقدرتها على اختصار المعاناة، فيدخلون في حالة من الرغبة في التصديق تجعلهم أقل ميلاً إلى طرح أسئلة نقدية، وأكثر استعداداً لتفسير كل إشارة غامضة بوصفها دليلاً إضافياً على صدق الشخصية التي يتعاملون معها.

نستدعي هنا تفسير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو لهذه الظاهرة عبر مفهوم "رأس المال الرمزي"، إذ نلاحظ أن النفوذ ينبثق من الاعتراف الاجتماعي والجماعي بالسلطة أكثر مما ينبثق من النصوص القانونية التي أنشأتها، وبالتالي يكتسب المنصب قيمته من الرصيد الرمزي الذي راكمته المؤسسة الأكبر عبر الزمن، ومن الثقة التي يمنحها المجتمع تلقائياً لكل من يمثلها أو حتى ينتحلها أمام الناس. يستولي المنتحل، حين يرتدي صفة قاضٍ أو طبيب أو ضابط، على هذا الرصيد الرمزي تحديداً، ويستثمره بوصفه مصدراً مباشراً للنفوذ، فتصبح الهيبة التي يمثلها المنصب موضوع الانتحال الحقيقي أكثر من المنصب بحد ذاته. 

اقتصاد الانتباه

تعمل آلية النصب هنا وفق المنطق نفسه الذي يحكم منصات التواصل الاجتماعي، حيث يشكل الانتباه عملة قابلة للتحويل إلى قيمة مادية ملموسة ضمن عملية تسليع للرمز القضائي، سواء كان قاعة محكمة أم ممراً أم وشاحاً أم بناء؛ إذ أدرك المتهم أن تكرار الظهور بزي قضائي داخل قاعة محكمة حقيقية، مع آيات قرآنية وأدعية وابتهالات، ينتج مادة بصرية ذات مصداقية عالية، ويمنحه رأس مال يمكن تسييله لاحقاً عبر تطبيقات المحادثة المباشرة مع الضحايا، فاختار قاعة تنتهي جلساتها مبكراً، وحول بذلك الفراغ المؤسسي والسلوك القضائي إلى مورد إنتاجي قابل للاستغلال المنهجي.

في قضية القاضي المزيف تكشف الفيديوهات وظيفتها التسويقية البحتة مع استعراض شكلي: ساعة "آبل"، مسدس حربي على طاولة، أطقم رسمية وربطات عنق، تجوال هادئ، وفيديوهات ليلية فيها شرح أحكام ونصائح قضائية وقانونية من دون مرجعية واضحة؛ إذ صممت هذه المقاطع لتبني صورة ذهنية مسبقة لدى الضحية قبل التواصل الفعلي معه، فيصل إليه المتهم وقد اكتسب سلفاً هالة من الثقة، لم يبذل في تحصيلها جهداً حقيقياً سوى إنتاج المحتوى المناسب وتوزيعه في التوقيت المناسب.

في المقابل، تولت المنصات الرقمية إنتاج مرحلة جديدة تمثلت في صناعة استقبال التزييف، لتتحول مقاطع القاضي المزيف إلى مادة يتنافس صناع المحتوى على إعادة تدويرها وتحليل خطابها، بينما دفعت موجة التعليقات الساخرة بالقضية من مساحة النقاش المؤسسي إلى فضاء الترفيه الرقمي. وهكذا انتقل الاهتمام من تحليل آليات إنتاج الشخصية المزيفة إلى الاستمتاع بالشخصية نفسها، وتحول الحدث إلى محتوى ترفيهي سريع التداول، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة بالمصداقية والثقة بالقضاء والثغرات التي سمحت لشخص مجهول بأن يرتدي صورة القاضي ويحصل على الاعتراف بها، ولو لفترة مؤقتة.

يدخل الإعلام والمنصات الرقمية شريكاً في إعادة إنتاج الانتباه وأسسه، إذ تحول المعلومات إلى قصة جذابة بعنوان "الرجل الذي خدع الجميع"، ومنحتها الحضور الجديد. ومع قوة الخوارزميات، أصبحت الصور والمشاهدات وعدد المتابعين مؤشرات على المصداقية، فتسبق صناعة الحضور عملية التحقق، وتتحول السلطة إلى نتيجة للقدرة على جذب الانتباه وصناعة صورة قابلة للتصديق.

نستدل هنا على صعود قوة الصورة في إنتاج الواقع الاجتماعي، إذ أصبحت المظاهر والتمثيلات المرتبطة بالسلطة أكثر تأثيراً في تشكيل الانطباع العام من التحقق من حقيقتها؛ ويتحول السؤال، في هذا العالم، من "هل هذا الشخص قاضٍ فعلاً؟"، بالاعتماد على التحقق، إلى "هيا دي هيئة قاضي؟"، بالاعتماد على الشكل والهيئة، لتحمل الإجابة عن السؤال الثاني وزناً اجتماعياً يفوق أحياناً وزن الإجابة عن السؤال الأول، بعدما أصبحت الصورة أسرع انتشاراً من الحقيقة، وأكثر قدرة على إنتاج واقع موازٍ لها.

ماذا بعد الاكتشاف؟

في المنطق التقليدي، تقترن نهاية الخدعة بانتهاء حضور صاحبها في المجال العام وخضوعه لإجراءات قانونية تحتكم إلى القانون المصري الذي يجرّم انتحال الصفات والوظائف العامة، ويقرّر عقوبات على من يمارس اختصاصاتها أو يستخدم علاماتها من دون سند قانوني، إدراكاً لما يسببه ذلك من مساس بالثقة في مؤسسات الدولة. ويصيب انتحال صفة القاضي هذا الرصيد الرمزي في جوهره، لأن الجريمة تمتد إلى العلاقة التي تربط المجتمع بالمؤسسة القضائية. ومن هذه الزاوية، تؤدي المحاكمة دوراً في استعادة الثقة بالرموز الرسمية، وإعادة ترسيم الحدود بين السلطة التي يمنحها الاعتراف المؤسسي، والصورة التي تسعى إلى استعارته وتقمصه. وتفتح المحاكمة بعداً يتجاوز مساءلة الفرد إلى حماية الثقة العامة التي تقوم عليها العدالة.

أما في البيئة الرقمية، فتفتح المنصات مرحلة جديدة في دورة حياة هذه الشخصية المزيفة، فتغادر فضاء السلطة والمحاكم إلى فضاء الشهرة، وتدخل في مسار متجدد من التداول عبر المقاطع الساخرة والتعليقات وإعادة النشر والمحتوى التفاعلي. أطلقت قضية القاضي المزيف مرحلة جديدة في مسار الصورة، فتحولت من أداة لتقمص السلطة إلى مادة للترند والسخرية، واستمرت في حصد المشاهدات والتفاعل بعد انكشاف الخدعة. هنا تتحول لحظة سقوط المتهم إلى نقطة انطلاق لدورة جديدة من الحضور، تتقدم فيها قيمة التفاعل على قيمة الحدث، فتمنح الخوارزميات مساحة أوسع لكل ما يثير الانتباه ويحقق المشاهدات ويحفز المشاركة. وهكذا تستقر الصورة في الذاكرة الرقمية، ويواصل صاحبها حصد رأس مال رمزي جديد قوامه الشهرة والانتشار، بعد أن استند حضوره الأول إلى الهيبة الرمزية لمنصب القاضي الذي ادعى تمثيله.