الفيلم الأردني سمسم: أن تفتح المرأة الباب لتتنفّس

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 06:45 (توقيت القدس)
مشهد من الفيلم (من المخرجة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "سمسم" للمخرجة سندس سميرات يروي قصة ابتسام، الملقبة بـ"سمسم"، التي تسعى للحرية بعد وفاة والدها، وتواجه تحديات في مجتمع ذكوري، مما يعكس معاناة المرأة ونقدًا للزواج التقليدي.
- تم تصوير الفيلم في إربد بجهود فريق نسائي، مما يعكس الهوية المحلية ويبرز تفاصيل الحياة اليومية، ويعبر عن توجه فني ضد مركزية الإنتاج في عمّان.
- "سمسم" جزء من السينما الأردنية الجديدة، يركز على السرد النسوي والاجتماعي، بمشاركة أربع كاتبات وأداء مميز لسجى كيلاني، معلنًا ميلاد صوت أنثوي جديد.

من قلب مدينة إربد، بعيدًا عن صخب العاصمة ودوائر الإنتاج التقليدية، تولد حكاية امرأة تقف على حافة التحوّل. فيلم "سمسم" في أولى تجاربها الإخراجية للمخرجة الأردنية سندس سميرات لا يروي فقط قصة طلاق، بل يفتح بابًا واسعًا على فكرة الحرية الشخصية بوصفها رحلة داخلية قبل أن تكون معركة قانونية أو اجتماعية. هو فيلم عن امرأة تتنفس تحت الماء، تبحث عن الضوء وسط الخوف، وتعيد تعريف القوة لا بوصفها قدرةً على الانتصار، بل فنًّا في النجاة.
منذ عرضه الأول في مهرجان عمّان السينمائي الدولي 2025، حظي الفيلم بتفاعل لافت من الجمهور والنقاد، وخرج بجائزتين مهمتين: أفضل ممثلة في دور رئيسي (سجى كيلاني)، وتنويه خاص لأفضل سيناريو، لتُثبت سميرات وفريقها أن السينما الأردنية الجديدة قادرة على المضي بخطوات ثابتة نحو سينما المرأة والواقع والهوية.

امرأة تبحث عن ذاتها

تدور أحداث "سمسم" حول ابتسام، الملقبة بـ"سمسم"، امرأة في أواخر العشرينيات تجد نفسها عالقة بزواج فرضته الأعراف وطاعة الأب. زوجها قاسم، مربّي الدجاج البسيط، يعيش حياة رتيبة لا تشبه أحلامها. بعد وفاة والدها، تكتشف سمسم أن حريتها ليست حقًّا مضمونًا، بل معركة طويلة مع القانون والمجتمع والذاكرة. تطلب الطلاق، فيرفض زوجها، لا بدافع الحب، بل لأن النظام الاجتماعي يمنحه سلطة إبقائها "معلّقة"؛ زوجة على الورق، وسجينة في الحياة.
تعمل سمسم في استوديو تصوير لتُعيل طفلتها ووالدتها المسنّة، وتحاول الموازنة بين مسؤولياتها وحلمها بالتحرر. يتسلل اليأس إلى روحها، لكنها ترفض الاستسلام، وتذهب حدّ التفكير في تزويج زوجها من امرأة أخرى لتنال حريتها. مشهد عبثي وساخر يختصر مفارقة المجتمع: أن المرأة يجب أن "تُخلي سبيل الرجل" حتى تتحرر هي نفسها.
هذا المشهد ليس مجرد فكرة درامية، بل نقد ساخر لبنية ذكورية ترى الزواج ملكية لا شراكة. كما تكشف سميرات، فإن "الفيلم لا يتحدث عن الطلاق بقدر ما يتحدث عن الإنسان عندما يقرر أن يعيش بشروطه". وتقول المخرجة في حوارها مع "العربي الجديد":
"سمسم ليست ضحية، بل امرأة تعيد بناء ذاتها ببطء وإصرار. أردت أن أروي حكاية امرأة تواجه الخوف وتتعلم كيف تقول لا، لأن هذه الكلمة وحدها هي بداية القوة".

سمسم... من قلب إربد

ما يميز "سمسم" أنه فيلم وُلد من بيئته الأصلية. صُوّر بالكامل في إربد، شمال الأردن، بجهود فريق شبابي نسائي في معظمه. اختارت سندس سميرات أن تخرج من مركز العاصمة لتثبت أن السينما الحقيقية يمكن أن تُصنع في أي مكان فيه حكاية. تقول:
"إربد ليست مجرد موقع تصوير، بل الروح التي تنفّستها الكاميرا. أردت أن أنقل المدينة كما هي، ببساطتها وعمقها وصدقها، دون تجميل أو تزييف".
في هذا الاختيار ما يشبه البيان الفني ضد مركزية الإنتاج في عمّان. فإربد في الفيلم ليست خلفية صامتة، بل كيان حيّ: بيوتها الضيقة، لهجتها، نساؤها في الأسواق، الضوء الغربي الذي يسقط على الوجوه. كلها عناصر تصنع هوية الصورة وتمنحها حرارة الواقع. هذا الوعي بالمكان يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى، فإربد هنا رمز للهامش الذي يتكلم، للمدينة التي ترفض أن تكون ظلًّا للعاصمة.

لغة الصورة والرمز

تُظهر سميرات وعيًا بصريًّا ناضجًا في استخدام الرموز، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى مرايا لمعاناة البطلة.
أحد أبرز هذه الرموز هو الطيور. الزوج، قاسم، يعتني بطيورٍ ودجاجٍ في أقفاص، يراها ثروته الصغيرة، لكن الكاميرا تلتقط الأقفاص بوصفها استعارة دقيقة لزواجهما: امرأة أسيرة خلف قضبان الخوف والواجب. في المقابل، يظهر ببغاء حرّ في مكان عمل سمسم، تملكه مديرة الاستوديو "صباح"، امرأة مستقلة قوية، وكأن الطائر هو صدى رمزي لصوت الحرية الذي تفتقده البطلة.
أما خزان الماء الذي تصعد إليه سمسم مرارًا، فيختصر حالتها النفسية. فكل مرة تفتح الخزان وترى انعكاس وجهها في الماء الراكد، تغرق في كابوس الاختناق، وكأنها تواجه ذاتها العالقة. تقول سميرات:
"الماء بالنسبة لي رمز للحياة حين تجمدت. أردت أن يشعر المشاهد بالاختناق كما تشعر هي، وأن يتنفس الصعداء حين تصعد من السطح. الصورة هنا تتكلم أكثر من الكلمات".
حتى اسم البطلة، "سمسم"، يحمل دلالات رمزية طفولية ومفارِقة. فبين "ابتسام" الاسم الأصلي، و"سمسم" الاسم الذي اختارته لنفسها، هناك مسافة بين المرأة التي كانت تريد أن تُرضي الجميع، وتلك التي تريد أن تفتح الأبواب المغلقة بكلمة "افتح يا سمسم". هكذا يصبح الاسم تعويذة للخلاص وولادة جديدة.
سجى كيلاني، في أولى بطولاتها السينمائية، تجسّد شخصية سمسم بصدق نادر. أداؤها يجمع بين الهشاشة والقوة، بين الانكسار والمقاومة. لم تلجأ إلى المبالغة أو الصراخ، بل اكتفت بالصمت والعيون التي تتكلم. نالت كيلاني عن هذا الأداء جائزة أفضل ممثلة لأول دور، وهي جائزة مستحقة في ضوء ما قدمته من توازن بين الأداء الداخلي والظاهري. وهي نفسها الممثلة التي شاركت مع المخرجة التونسية كوثر بن هنية في فيلم "صوت هند".
تقول سميرات عن اختيارها: "كنت أبحث عن الصدق قبل الخبرة. سجى لم تؤد الدور، بل عاشت فيه. حتى لغتها العربية غير المتقنة أضافت إلى الشخصية نوعًا من الاغتراب الداخلي الذي نريده".
أما مجد عيد، فقدم دور الزوج قاسم ببراعة تنأى به عن الكليشيه. هو ليس شريرًا، بل رجل عادي ضائع بين البساطة والتسلط، ضحية هو الآخر لتربية تجعله يظن أن القوامة امتياز طبيعي. بفضل هذا التوازن، يتحول الفيلم من مواجهة بين "خير وشر" إلى مواجهة بين وعيَين: وعيٍ قديم يخاف التغيير، ووعيٍ جديد يحاول التنفس.

السينما مرآةً

يتناول "سمسم" موضوعًا اجتماعيًّا حساسًا: الطلاق في مجتمع محافظ. لكنه لا يسعى إلى الوعظ، بل إلى التأمل. فالطلاق هنا ليس نهاية، بل بداية وعي جديد. في مجتمع تعتبر فيه مبادرة المرأة إلى الانفصال "وصمة"، يضع الفيلم السؤال في قلب المشهد: لماذا يُسمح للرجل أن يختار بينما تُمنع المرأة من ذلك؟ ولماذا تتحول الحرية إلى تهمة عندما تكون أنثوية؟
من خلال التفاصيل الصغيرة — نظرات الجارات، همسات الأم، كلام القاضي في المحكمة — يرسم الفيلم خريطة للسلطة الذكورية اليومية، تلك التي لا تمارس العنف لكنها تفرض الصمت. تقول المخرجة: "لم أرد أن أقدّم الرجل كعدو، بل كنتاج بيئة هو أيضًا أسيرها. أردت أن أقول إن الحرية ليست معركة ضد أحد، بل رحلة وعي جماعية".

إنتاج محلي وتجربة نسائية من إربد

الفيلم ثمرة مشروع دعمته الهيئة الملكية الأردنية للأفلام ومركز أفلام إربد، وشارك في كتابته أربع كاتبات شابات: تمارا عويس، رزان الزعبي، تيماء الطويسي، الزهراء بني ياسين. هذه الخلفية جعلت الفيلم عملًا جماعيًّا بحق، صوتًا نسائيًّا متعدّد النبرات لكنه موحّد في الرؤية.
توضح سميرات: "أردت أن يكون الفريق بأغلبه من النساء، لأننا نحمل التجربة من الداخل. حتى خلف الكاميرا، كانت معظم العاملات يخضن أول تجربة طويلة لهن. شعرت أننا جميعًا نعيش قصة سمسم بطريقة أو بأخرى".
إنتاج الفيلم في إربد شكّل مغامرة بحد ذاته؛ فالموارد محدودة، والبنية التحتية السينمائية خارج العاصمة ما تزال في بدايتها. ومع ذلك، أنجز الفريق الفيلم في أقل من عام ونصف عام، من الكتابة حتى العرض، بميزانية محدودة وتعويض فني كبير. النتيجة: عمل بسيط في شكله، عميق في روحه، مخلص لبيئته.

سمسم والجيل الجديد من السينما الأردنية

في "سمسم" يترسّخ توجه واضح في السينما الأردنية نحو السرد النسوي والاجتماعي الواقعي. بعد نجاح فيلم "إن شاء الله ولد" (2023) لأمجد الرشيد، يأتي فيلم سميرات ليُكمل هذا الخط، متناولًا موضوع الطلاق أداةً لكشف بنية اجتماعية لا تزال تحاكم المرأة على خياراتها.
لكن الفرق أن هذا الفيلم أكثر حميمية وأقل صخبًا. إنه فيلم عن الهمس لا الصراخ، عن النساء اللواتي يغيّرن مصائرهن بلا شعارات. تقول المخرجة في الختام: "القوة ليست في أن نكسب المعركة، بل في أن نواصل الكلام عنها. سمسم هي كل امرأة أردنية قررت أن تكون هي نفسها، رغم كل شيء".

سينما ودراما
التحديثات الحية

سينما تُنصت لا تُلقّن

في زمنٍ تتكاثر فيه الأفلام التي تتحدث عن المرأة من الخارج، يأتي "سمسم" عملًا صادقًا يتحدث بصوت المرأة لا عنها. يراقبها وهي تخاف، وتنهض، وتضحك، وتخطئ، ثم تمضي. لا يُجمّلها ولا يجلدها، بل يمنحها مساحة للوجود الكامل.
من خلال عدسة سندس سميرات، تبدو السينما الأردنية وكأنها تعيد اكتشاف ذاتها: لا تحتاج إلى بطولات خارقة، بل إلى حكايات بسيطة عن بشرٍ يحاولون التنفس.
"سمسم" فيلم صغير بإمكاناته، لكنه كبير بما يطرحه. إنه إعلان ميلاد صوت جديد في السينما الأردنية - صوت أنثوي، صادق، حميم، يأتي من الشمال، من إربد التي منحت الفيلم روحه، ومن مخرجة تؤمن أن الصورة يمكن أن تكون طريقًا للحرية.
وكما تقول سندس سميرات في ختام حديثها: "سمسم بالنسبة لي ليست بطلة على الشاشة فقط، بل كل امرأة قررت أن تفتح بابها وتقول: أنا هنا، هذه حكايتي".

المساهمون