الفلسطينية تغريد عبد الله تصنع من الأشياء المكسورة حكايات في غزة
استمع إلى الملخص
- استغلت تغريد المواد المتاحة لتحويل الأشياء البسيطة إلى أشياء ذات قيمة، مثل صنع أطعمة مبتكرة وتحف فنية، مما يعكس قدرتها على تحويل القليل إلى معنى.
- رغم شح الإمكانات، تسعى تغريد لتحويل اليأس إلى دافع للاستمرار، حيث صنعت دمى وأحذية من مواد بسيطة، مما لاقى صدى واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
في غزة حيث تقاس الأيام بثقل الفقد وتختبر الأرواح بقدرتها على الصمود، اختارت الفلسطينية تغريد عبد الله أن تكون استثناءً يشبه الضوء حين يتسلّل من شقٍّ ضيقٍ في جدار منهك، لتعيش إيقاع الحياة المعتاد قبل أن تأتي الحرب، وتحاول تجاوز كل الأزمات.
تغريد التي تعمل موظفة بنك اختارت أن تنحاز للحياة، لم تستسلم لفراغ الأيام ولا لانعدام الإمكانات، بل رأت في أوقات العجز مساحة للتجربة، وفي القسوة دافعاً لصناعة شيء من لا شيء، متحدّيةً النظرة التشاؤمية السائدة، وباحثةً عن نافذة أمل تطلّ من خلالها على الآخرين.
لم تكن خسائر تغريد قليلة، حيث فقدت بيتها وكل ممتلكاتها، وفقدت عدداً من أقاربها شهداء، لكنها رغم ذلك واصلت عملها بإصرار، لا بدافع الربح، بل بدافع التحفيز والإلهام، حاملةً رسالة أمل للداخل، للناس الذين أنهكتهم الحرب، وللخارج، ليُدرك العالم أن أهل غزة قادرون على الإبداع، وأن شيئا لا يستطيع كسرهم مهما اشتدت الظروف.
تقول تغريد عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن فكرة تحويل الأشياء البسيطة إلى أشياء أكثر أهمية بدأت مع اشتداد فصول المعاناة والمجاعة خلال الحرب، حيث توجهت مع تفاقم الأزمات المعيشية، خاصةً نقص الملابس والأثاث المنزلي، إلى استغلال المواد المتاحة من حولها.
وتبيّن تغريد أنه حين اجتاحت المجاعة البيوت وتحول الطعام إلى هاجس يومي، أمسكت بالعدس، هذا المكون البسيط الذي صار عنواناً للفقر، وحوّلته إلى حكاية، صنعت منه الجبن والكباب وأصنافاً أخرى من الأكلات المبتكرة، وشاركت تجاربها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتقول إن الإبداع لا يجوع، وإن الأمل يمكن أن يطهى على نار الحاجة.
صنعت خزانات صغيرة من الكراتين، زيّنتها بعناية وبلمسات لافتة، وحوّلت أشياء مهملة لا قيمة لها كالسلال المكسورة، القوارير، الفخار التالف، وحتّى علب المعلبات إلى أدوات ذات قيمة جمالية عالية بعد تطعيمها بالخيوط الملونة والزخارف التراثية، كما استخدمت عرف الأناناس لصنع تحفة فنية، وغلّفت كراتين المساعدات لتكون خزائن صغيرة تحفظ خصوصية الفتيات اللواتي فقدن كل أشكال الخصوصية داخل الخيام ومناطق النزوح.
ومع اتساع دائرة الحرمان، حين غابت الملابس، وتلاشى الأثاث، وبدت البيوت كذاكرة مثقوبة، اتجهت تغريد إلى ما تبقى بين الأنقاض، لصناعة قطع وتحف زينتها بعناية، وكأنها تعيد ترتيب الروح قبل المكان، وقد رأت في السلال المكسورة، والقوارير الفارغة، والفخار المتشقق، إمكانات مؤجلة، فأعادت صياغتها بلمسات جمالية وتراثية، لتمنحها قيمة جمالية.
تقول تغريد إن البيوت المهدمة مليئة بـ"أنصاف الأشياء"، وإن مهمتها إكمال هذه الأنصاف، وأن تنفخ فيها حياة جديدة، وأن تمنحها روحاً وشكلاً مختلفين، حيث تحولت المعلبات المعدنية التي عاش الناس عليها قسراً إلى أشكال جميلة مزينة بخيوط ملونة.
ولم تفلت حتّى أدوات الألم من يد تغريد، حيث صنعت دمى للأطفال من قطن الجروح، وأحذية صغيرة من بطانيات محترقة، لتقول إن الدفء يمكن أن يولد من الرماد، وإن الطفولة تستحق أن تنقذ، ولو بخيط وأمل.
خسارة تغريد عبد الله الكبيرة خلال حرب الإبادة على غزة لم تطفئ فيها الرغبة بالحياة، بل حوّلتها إلى إصرار على مواجهة الألم والتحديات، بغرض بث رسالة الأمل، والتأكيد أن أهل غزة ونساءها على وجه الخصوص، قادرون على الإبداع رغم كل شيء، وأن الحرب لم تنجح في كسر أرواحهم.
تواجه تغريد، كغيرها من أصحاب الأفكار، شح الإمكانات، وغياب الأقمشة والخيوط والصمغ، وغلاء المواد المتوفرة إن وُجدت، وتقول إنها كثيراً ما تستبدل ما تحلم به بما هو متاح، فيخرج العمل أقلّ جودة ممّا في خيالها، لكنها ترى في ذلك تحدياً إضافياً، وفرصة لاختبار قدرتها على تحويل القليل إلى معنى.
وتسعى تغريد بالأساس إلى مساعدة نفسها ومن حولها على صناعة الجمال في زمن القبح، وتحويل اليأس والإحباط إلى دافع للاستمرار، هي لا تصنع أشياء فقط، بل تصنع فكرة أن "كل ما حولنا، مهما بدا مكسوراً أو بلا قيمة، يحمل احتمال حياة جديدة".
ولقيت أعمال تغريد عبد الله المصورة والمنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي كمقاطع تحفيزية صدى واسعاً داخل غزة وخارجها، حين وصلت أعمالها كصورة صادقة وجميلة عن نساء غزة، صورة بعيدة عن البكائيات، قريبة من الإنسان، ومشبعة بإرادة لا تهزم.