الفضاء السينمائي في مؤتمر النقد بالرياض: ذلك المعلوم المجهول

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
برناردو برتولوتشي: جَعَل الأماكن جزءاً حياً من بناء الشخصية والدلالة (روبي جاك/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تناول المؤتمر الدولي للنقد السينمائي بالرياض موضوع "السينما فنٌّ للمكان"، مشيرًا إلى أهمية الفضاء في السينما وتأثيراته الإدراكية والعاطفية والجمالية، كما أشار أندري غاردي في كتابه "الفضاء في السينما".
- استعرض المؤتمر أمثلة على استخدام الفضاء كعنصر سردي في الأفلام، مثل دور الفضاء في أفلام برناردو بيرتولوتشي وتأثير مدينة دكا على السينما البنغلادشية.
- شهدت الدورة الثالثة للمؤتمر جلسات نقاش وورش عمل مع نقاد ومخرجين، تناولت دور النقد السينمائي وتحولات السينما المعاصرة.

 

أسفر اختيار "السينما فنٌّ للمكان" ثيمةً رئيسيةً للنسخة الثالثة (7 ـ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) للمؤتمر الدولي للنقد السينمائي بالرياض عن نقاش خصب. لعل ذلك عائدٌ إلى التناقض المُحيّر، الذي يطبع مفهوم الفضاء في السينما، إذ نعتبره شيئاً بديهياً، لا داعي لتعريفه أو الانكباب على خصوصيته، لأنه يكشف عن نفسه بنفسه. ولا أدلّ على ذلك أكثر من استئثار الزمان بحصة الأسد من اهتمام فلاسفة ودارسين، أهمهم جيل دولوز، الذي طَبع نظرية السينما بثنائية "الصورة ـ الحركة" و"الصورة ـ الزمن"، وأندريه تاركوفسكي، بمؤلفه المرجعي "النحت في الزمن". بينما ظلّ الفضاء في السينما يفتقر إلى اهتمام حقيقي، ودراسات معمّقة تنبري لخصوصيته، وتنأى عن إعادة تدوير سماته في حقول أخرى، كالمسرح والأدب، وتكييفها للاستدلال بها في السينما.

أولى الملاحظات تتعلّق بأن مفهوم الفضاء ربما يكون أجدر من المكان في صيغة ثيمة النسخة، باعتبار أن الثاني تجلٍّ لمفهوم جامد وفيزيائي، بينما الفضاء تعبير عن نسيج العلاقات التي تقيمها الشخصيات بينها وبين الأشياء، في ارتباطها بالمكان الذي تجري فيه الأحداث. بعبارة أخرى، فإن افتراضية الفضاء وطبيعته النسيجية تصنعان منه مفهوماً قابلاً لاستقبال مكانية محددة للشخصيات، تساهم في إعطاء جوهر للسرد الذي يشملها، بينما يظلّ المكان تجلّياً لواقع مستقل عن الحكي، بحسب أندري غاردي، اختصاصي التحليل السيميائي والسردي، الذي خصّص مؤلفه "الفضاء في السينما" (2019، دار Klincksieck) لتحليل التأثيرات الإدراكية والعاطفية والمعرفية والجمالية، التي ينتجها الفضاء في السينما.

قبض علي المجنوني (كاتب ومترجم) على هذه الجزئية، في "المكان كذاكرة بصرية: كيف تتحول الجغرافيا إلى شخصية في الفيلم"، مستدلاً بـ"أربعون عاماً وليلة" (2019) لمحمد الهليل، في حصة عروض شهدت أيضاً انكباب الناقدة نيني شفيليدز على خريطة الذاكرة السينمائية الجورجية، برسم أطلس سينمائي لمدينة تبليسي عبر الأفلام.

في حصة ثانية، عرضت إيفا بيدرو (باحثة) "القوة السردية للأماكن في سينما برناردو بيرتولوتشي"، تناولت فيه دور الفضاء كعنصر سردي متكامل في سينما المعلم الإيطالي، وكيف تصبح البيئات المغلقة في "التانغو الأخير في باريس" (1972) أدوات تعبير عن العزلة والصراع الداخلي، بينما تعكس الفضاءات الهندسية الشاسعة في "المحافظ" (1970) حمولة سياسية توحي بقمع الدولة. هكذا يرسّخ برتولوتشي أسلوباً يجعل من الأماكن جزءاً حياً من بناء الشخصية والدلالة.

 

 

يختزل النقاد غالباً دور المدن كفضاء بعبارة كسولة قليلاً: "المدينة الفلانية في الفيلم ليست فضاء فقط تدور فيه الأحداث، بل شخصية رئيسية قائمة بحد ذاتها". سعت ساديا خالد ريتي (ناقدة وباحثة) إلى تجاوز هذا المعطى، في "دكا في السينما: قصيدة في إحدى أكثر مدن العالم صعوبة للمعيشة"، استعرضت فيه كيف انعكست سمات عاصمة بنغلادش على السينما المعاصرة لهذا البلد الآسيوي، وطبعتها بثيمات مشتركة وانزياحات شكلية، مستدلةً بفيلمين أولين لمخرجيهما "مباشرة من داكا" (2016) لعبد الله محمد سعد، و"مدينة الرمال" (2025) لمهدي حسن.

وتطرق مانويل هالبرن (ناقد وكاتب)، في "مكان الغرائبية في سينما ميغيل غوميش"، إلى تصوير العالم الخارجي بالمعنى الواسع لكلمة "العالم"، وإعادة ابتكاره بدل تصويره كما هو، حيث تتقاطع الذاكرة والخيال في أفلامه "تابو" (2012)، و"ألف ليلة وليلة" (2015)، و"الرحلة الكبرى" (2024)، بتركيز على الماضي الاستعماري للبرتغال، لتحدّي فكرة الانتماء وتفكيك واقع مُعقّد، مؤكداً فرادته كأحد أبرز المبتكرين في السينما المعاصرة. جنوحه إلى تفجير المفهوم الكلاسيكي للمكان، وتقويض الزمن من خلال عكس منحاه في "تابو"، وعرض مفارقة تاريخية بين الأزمنة في "الرحلة الكبرى"، تُذكّر كلّها بقول مأثور لابن عربي: "الزمان مكانٌ سائل والمكان زمانٌ متجمد".

إضافة إلى لقاء مع ماركو بيلّوكيو (مخرج)، شهدت الدورة هذه جلسات نقاش بين نقّاد وباحثين ومخرجين سينمائيين، وورش عمل، وثلاثة لقاءات: مارك بيرانسون (ناقد ومخرج)، مدير التحرير السابق لمجلة سينما سكوب، عن مساره ورؤيته لدور النقد وتفاعله مع تحولات الفضاء الإعلامي؛ وكارلو شاتريان، مدير المتحف الدولي للسينما في إيطاليا، والمدير الفني السابق لمهرجاني لوكارنو وبرلين، عن تحولات السينما المعاصرة، ودور العمل النقدي في إعادة تعريف موقع السينما اليوم؛ وريتشارد بينا (مدير برامج الأفلام بمركز لينكولن، الذي ينظّم مهرجان نيويورك السينمائي)، عن رؤيته لتطور السينما، مستعرضاً تجارب ملهمة من مساره، ونظرته لمفعول الزمن على تلقي الأفلام.

نسجاً على منوال النظرية الدولوزية، لا يزال حقل البحث في السينما يبحث عن تأصيل مفهوم "الصورة ـ الفضاء". ولعل الدورة الثالثة لمؤتمر النقد الدولي تمثّل فرصة التفكير في هذه الثيمة المهمّة، وجذب أنظار الدارسين إليها. يقول أنطوان غودان، في مؤلفه البديع "الفضاء السينمائي: جمالية ودراماتورجيا" (2015، أرمان كولان): "الفضاء ليس مجرد مسرح تجري فيه الأحداث، بل الفجوة التي تتسلّل منها أحاسيسنا بشرط الشخصيات".

المساهمون