"الغريبة" أصبحت في فرنسا: مسار سينمائي غير تقليدي

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:54 (توقيت القدس)
عائلة سورية تتفكّك فتهاجر "الغريبة" إلى فرنسا (TandemFilmsTm)

 

مشهد افتتاحي صادم، لن تستعاد أحداثه، ولن يتدخل في مسار الفيلم، إلا إذا كانت مصارَعة أمواج وأصواتاً واقتراباً من غرق وموتاً، ثم خلاصاً، تمهيداً لمسيرة حياة جديدة لـ"الغريبة". من هنا، تبدأ السورية غايا جيجي رحلة بطلتها اللاجئة، لتسير الأمور لاحقاً ليس كأيّ فيلم عن المهاجرين، فعلاقة حبّ وتشابك عواطف من شأنهما إضفاء خروج لائق من تكرار قصص عامة عن هجرة ولجوء.

يرتكز "الغريبة" (2026) على سلمى: شابة عابسة وقليلة الكلام. تفسّر ظروف هجرة من سورية إلى فرنسا، واضطرار ترك الابن الصغير هناك برعاية والدتها. شخصية مثابِرة، تتمتع بإصرار وعناد يتيحان لها الوصول، ليس من دون مشقّات وعوائق تخفّف منها، ثم تحلّها قصة حب. بعد خطف/اختفاء زوجها (المصري عمرو واكد) من جانب قوات الأمن السورية، فرّت سلمى (الإيرانية زار أمير) من بلدها، ولجأت إلى بوردو الفرنسية. أقامت في مسكن مؤقّت، بانتظار تصريح إقامة. تعمل بشكل غير قانوني في مطعم. تتقاطع طريقها مصادفة مع محامٍ فرنسي (ألكسيس مانينتي، أداء باهت، كأنه هو نفسه غير مقتنع بما يفعل)، تطلب نصيحته للحصول على أوراق ثبوتية، قبل إعلانها ميلها إليه.

الشخصية مرسومة جيداً لتبرز بمفردها في محيط مثقل بأحداث مكثّفة. فالسيناريو (ساره أنجيليني وأنياس فوفر ومهدي بن عطية وغايا جيجي) يغطي كل جوانب محنة اللاجئ: مخاطرة في البحار، وعبور بلدان لا يريد البقاء فيها، ثم الوصول إلى غايته. سلمى تُشبه أي مهاجر من الشرق، يعتبر دولاً أوروبية محطة لا مكاناً ملائماً للاستقرارين الشخصي والعائلي. دخلت منطقة شينغن عبر المجر، حيث أُخذت بصماتها. بموجب اتفاقية دبلن، السارية آنذاك، معالجة طلب لجوئها من اختصاص الدولة التي دخلت منها أولاً. لذا، واجهت خطر إعادتها من فرنسا إلى المجر، أو محو بصماتها، كحلّ وحيد لتجنّب التعرّف عليها. عليها أيضاً تدبير قصة مقنعة لمكتب اللجوء، وإجراء مقابلة فعّالة مع مسؤوليه.

إلى هنا، انشغل "الغريبة" تماماً بطرح أسئلة تدبير وضع قانوني للاجئ. لكنه لا يتمحور كلّه حول هذا الخط السردي، بل ينحرف باتجاه خطين آخرين: علاقة تتطوّر تدريجياً بين سلمى ومحاميها، وموقفهما إزاء المشاعر الطارئة والوفاء، وهما متزوّجان. لكن، إن عولج الأول بفعالية، فالإخراج لم يستطع التعامل مع الاثنين الآخرين بشكل مقنع.

 

 

شكلت علاقة الحب لسلمى منفذاً للفيلم، للعمل على ما يحيده عن مسار تقليدي لهذا النوع، الذي يستمد بنيته السردية من إجراءات تسوية أوضاع اللاجئين، وسرد معاناتهم. أضاف هذا رقة وجاذبية إلى القصة، رغم توقّعها منذ اللقاء الأول. لكن، لم يُتعَامل مع المشاعر الجديدة لسلمى وصراعها الداخلي، بعد فترة ضياع بين حياة عائلية وشخصية ماضية وأخرى تتشكّل، على نحو يتيح التفاعل مع قصتها، وتفهّم ما تمر به. وبدلاً من أسلوب يعالج بعمق ودقة مشاعرها، ويبدي صراعها الداخلي أمام ما تفرضه هكذا علاقة من إعادة نظر بكل شيء، ركّز على علاقة حميمية ظاهرية. فالمرور بمرحلة مفصلية بين حياة ماضية وزوج ضحية، وبلد وهوية جديدين، يحتمل معالجة أعمق. بدت العلاقة بالزوج المُغيّب مشوّشة، ومع المحامي افتقرت إلى المصداقية والوضوح، فلم يكن إصرار سلمى على النجاح كافياً، وبدا أن علاقتها بالمحامي ستحلّ إشكالات كثيرة.

حبُّها لمنقذها بدا أكثر بديهية من حبّه لها، في لقائهما غير البديهي. لكن، للحب شؤونه التي ركن إليها السيناريو، وليست مهمة العلاقة الزوجية المستقرّة للمحامي، ولا وضعه المالي المريح، ولا شخصيته الباردة والباهتة بل البليدة، ولا اختصاصه المهني البعيد عن شؤون اللاجئين. لا تبرير لهذا الحب، ولا للقاء شبه مستحيل، لا سيما أن موقف المحامي من علاقته الزوجية مبتور ومفاجئ، مع استغناء غايا جيجي كلّياً عن حواره مع زوجته حول علاقته بسلمى.

هذه إحدى نقاط ضعف "الغريبة". يضاف إليها ما شكّل نقطتي ضعف وقوة في آن واحد، وربما حرجاً وعدم ارتياح. فجيجي استعانت بالممثلة الإيرانية الفرنسية زار أمير (زهراء أمير ابراهيمي سابقاً)، التي تضيف الكثير إلى أي دور تؤدّيه، رغم عبوسها الملازم لها في كل الأدوار. لكنها، في كل مرة، تتمكّن من الإقناع بالشخصية التي تؤدّيها، بما تتمتع به من حضور قوي وقدرة على التلاعب بتعابيرها، وعكس حالة داخلية شائكة ومضطربة وغير مستقرة. في عواطفها الضمنية تجاه ابنها الغائب، وعواطفها الظاهرة تجاه المحامي، وعواطفها المتشكّكة والحائرة تجاه زوج غائب حاضر، قدّمت أداءً متقناً أنقذ الفيلم من عثرات عدة. لكن المشكلة كامنة في لغتها العربية، إذ بدت بعض المواقف مقتطعة ومبتورة، لتجنيبها التكلّم بهذه اللغة، ما يكشف فوراً ضعفها فيها.

الأكثر إزعاجاً اتصالها بابنها الصغير في سورية. ففي كل مرة، يختلق الإخراج سبباً كي لا تطول المحادثة، وتنكشف محدودية لغة سلمى. هذا مؤسف. على الممثلة الإيرانية تعلم اللغة العربية اليوم، فأي ممثلة قديرة مثلها ترفض الدوبلاج، ولعل اللجوء إليها لأداء شخصيات عربية سيتكرّر، لما يوفره شكلها من شبه، وإمكاناتها التمثيلية من قدرات.

في الفيلم الأول لجيجي، "قماشتي المفضلة" (2018)، هناك شابة من دمشق تتوق إلى الحرية وتحقيق الرغبات، التي يَحُول المجتمع دون تحقيقها، مع استخدام الحرب خلفية لأحلام بطلتها. في الثاني، تستلهم قصتها الشخصية، كما كُتِب، لتجسّد تجربة هجرة امرأة ومنفاها. لكن، بين أحداث غير مُبرّرة وأخرى متوقّعة، يقع "الغريبة" في سرد مُحدّد مسبقاً، وفي تصوير طغت عليه العتمة والأماكن المغلقة والإضاءة الكئيبة الصفراء. إضاءة المشهد الأخير على شاطئ مشمس جعلته من أكثر المشاهد دلالة ونجاحاً في تعبيره عن حياة جديدة، ليست بالضرورة متوقّعة هذه المرة.