الصحافيات الغزيات: عين على الميدان وأخرى على العائلة

22 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
يزيد النزوح المتكرّر من فداحة التحديات (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الصحافيات الفلسطينيات في غزة تحديات يومية كبيرة، تشمل خطر الاستهداف المباشر ونقص المواد الغذائية بسبب إغلاق المعابر، مما يؤثر على أطفالهن.
- تعيش الصحافيات مثل كاري ثابت وأسماء الوادية ومدلين شقاليه في صراع بين العمل ومسؤولياتهن الأسرية، مع نقص في الموارد الأساسية وأزمات مواصلات.
- تتفاقم الأوضاع مع استمرار العدوان، حيث تعاني الصحافيات من نقص السيولة وارتفاع الأسعار، ويعتمدن على وجبات بسيطة ووسائل بديلة للتواصل في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت.

تبدأ الصحافيات الفلسطينيات في قطاع غزة يومهنّ باكراً، يغادرن ملاجئ النزوح على عجل، يقبّلن أبناءهن ويوصينهم بما تيسّر من تعليمات السلامة، ثم ينطلقن بمعدّات متواضعة نحو أماكن القصف، باحثات عن قصة تُحكى، أو شهادة تخرج إلى النور، في مدينة فقدت كل شيء إلّا صوت الناجين. وبعد انتهاء مهامهنّ، لا يتوجهن إلى الراحة، بل يبدأ فصلٌ آخر من يومهنّ الشاق: توفير ما تيسر من رغيف ووجبة تسدّ الرمق. ورغم خطر الاستهداف المباشر، الذي أسفر عن استشهاد 229 صحافياً فلسطينياً منذ بدء حرب الإبادة، تتعرض الصحافيات كذلك لسلسلة من الأزمات اليومية، أبرزها النقص الحاد في المواد الغذائية جراء استمرار إغلاق المعابر، ومنع دخول الإمدادات منذ 2 مارس/آذار، وهو ما بات يؤثر مباشرة على أطفالهنّ الذين يعانون من سوء تغذية متزايد.
يزيد النزوح المتكرّر من فداحة التحديات. الانقطاع التام للكهرباء، ونفاد غاز الطهي، يدفع بالكثيرات إلى طهو الطعام على نار الحطب، في مهمة شاقة لا تقلّ قسوة عن التغطية اليومية. ومع تواصل القصف وتجويع السكان، لا يقتصر نضال الصحافيات على توثيق الانتهاكات، بل يمتد إلى داخل خيامهنّ، إذ يبتكرن وصفات من لا شيء، ويقسّمن أرغفة الخبز بالتساوي بين أطفالهنّ الجياع.

كاري ثابت: بين القصف والجوع

الصحافية كاري ثابت، العاملة في مركز غزة للإعلام، تعيش بين ميدان مشتعل ومطبخ خاوٍ. لا ماء، ولا كهرباء، ولا غاز بعد أن دمّر الاحتلال منزلها في حي الكرامة شمال مدينة غزة. تفتح عينيها على أطفال يتقلبون جوعاً، وتسأل نفسها كل صباح: هل أعدّ طعاماً اليوم، أم أستعدّ لتغطية مجزرة جديدة؟ في حديثها لـ"العربي الجديد"، توضح ثابت أنها تعيش صراعاً يومياً بين واجبها المهني ومسؤولياتها كأم في زمن المجاعة. تقول: "نقف على الحافة بين نداء الواجب وصرخة الجوع، لا رفاهية للاختيار. كل لحظة تمرّ اختبارٌ لقوة القلب وتحمّل الجسد"، وتعاني كاري من أزمة مواصلات خانقة بفعل نفاد الوقود، وتقول: "بعد يوم شاق، أشتري كيس دقيق بسعر خيالي. أعجنه وأجهّز الأقراص لابني كي يصنعها في فرن طين قريب، ثم أقسّم الأرغفة على ستة أفراد بالتساوي، وأشعل نار الحطب لطهو الطعام القليل المتوفر"، وتضيف: "أعود من أجواء حارقة وتغطية مرهقة إلى لهيب نار الحطب اللاذعة".

أسماء الوادية: بين التوثيق وغلي العدس

أما أسماء الوادية، معدّة البرامج ومراسلة تلفزيون فلسطين، فترى أن الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ بداية الإبادة هي "الأصعب والأقسى"، وتضيف أن صعوبة الواقع تتضاعف على الصحافيات الأمهات. تقول لـ"العربي الجديد": "نواجه لهيب الحرب في الميدان، ثم نواجه لهيباً آخر في تحضير وجبة عشاء، في ظل النقص الحاد في كل شيء". وتوضح أنها تعمل في ظل استهداف لا يرحم، لكنها لا تملك ترف التراجع عن توثيق الحقيقة. بعد يومها الميداني، تبدأ معركة توفير الطعام: "أغلي الماء، أنقّي العدس، أشعل الحطب وأكياس النايلون. أحاول التوفيق بين العمل والأسرة وسط الإبادة والمجاعة، لكنّني منهكة نفسياً وجسدياً". تتحدث عن لحظات مغادرتها المنزل، وتقول: "أمسح على شعر أطفالي وأودّعهم، ولا أعلم إن كنت سأعود إليهم. أنقل المجازر فيما قلبي معلق بهم. أتابع دروس ابنتي إلكترونياً، وأحاول تحضير طعام بسيط رغم أن الرواتب لا تكفي لسدّ الاحتياجات الأساسية".

مدلين شقاليه: الأمومة في زمن المجاعة

مدلين شقاليه، مراسلة قناة "الرابعة العراقية" وإذاعة "راية FM"، تعيش بدورها في دوامة المواءمة بين دورها صحافيةً وأماً في ظل تفشي المجاعة. تقول لـ"العربي الجديد" إن "الجميع يعاني من آثار العدوان، لكنّ الأم تتحمّل العبء الأكبر، خاصة في تجهيز الطعام رغم نفاد المؤن". تشير إلى أن الأوضاع تدهورت كثيراً بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في مارس/آذار، وتفاقمت صعوبات التنقل والعيش، لتصبح المهام المنزلية أكثر قسوة وتعقيداً. تضطر شقاليه إلى تأجيل تجهيز الطعام بسبب العمل، فيما يساعدها زوجها أحياناً بصناعة الخبز، وتقول: "أعمل في ظل نقص حاد في السيولة، وارتفاع أسعار الصرف. أحياناً لا أتمكن من مغادرة البيت لأيام. أشعر بالإرهاق والهزال وعدم القدرة على التحرك لمسافات، ومع ذلك أقف أمام نار الحطب لساعات لطهو الوجبات البسيطة".
تعتمد شقاليه على العدس والمعكرونة، بعد نفاد الأرز وارتفاع أسعار الدقيق، وتقول: "نقسّم الخبز بالتساوي بين أفراد الأسرة، نشعر بالجوع الدائم"، وتضيف: "لدي طفلة تطلب الطعام بشدة لغياب مسليات الأطفال، لكنني لا أستطيع زيادة حصتها، حتى إن والدي مريض القلب ووالدتي المسنّة يحصلان على الحصة نفسها". وتروي أن عودتها إلى غزة قبل ستة أشهر لم تكن نهاية النزوح، إذ اضطرت للانتقال مجدداً إلى دير البلح بعد تهديد منطقة الصفطاوي، وتقول: "أعمل من دون كهرباء، أبحث عن إشارات إنترنت لإرسال تقاريري، نحن منهكون جسدياً ونفسياً ومادياً، لكننا نواصل العمل لإيصال الحقيقة رغم الألم".

المساهمون